ثقافة و فنون

أبو القاسم الشابي: أيقونة الرومانسية والشعر السياسي

تغنت أشعاره في جميع الثورات، كانت قصائده الشعرية حاضرة دائمًا في نضالات الشعوب ضد المستعمر والمحتل، كما أن شعره لم يخلُ من الرومانسية الصادقة والمشاعر النبيلة. هو شاعر تونس الأشهر، مات في ريعان شبابه ولم يكمل بعد عامه الخامس والعشرين.. هو أبو القاسم الشابي والمولود في مطلع القرن العشرين وبالتحديد في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1909 في قرية الشابية وهي إحدى قرى بلدة توزر بجنوب تونس.

نشأ الشابي في أسرة مهتمة بالتعليم والثقافة؛ فوالده هو الشيخ محمد بن القاسم الشابي، وعائلته هي سليلة العلم والثقافة، حملوا القلم والسيف، وتاريخهم حافل بالنضال والعلم. تلقى والده العلم في الجامع الأزهر وجامعة الزيتونة فيما بعد.

عمل والده بالقضاء فكان قاضيًا شرعيًا في كثير من البلدان بتونس، وكان لمنزلة والده الثقافية والاجتماعية تأثير بالغ الأهمية في حياته؛ فسار على درب أبيه وتلقى التعليم في المدارس التقليدية “الكتّاب” وهناك تعلم العلوم الدينية والفقهية وحفظ القرآن في سن صغيرة قبل أن يبلغ العاشرة من عمره.

أكمل تعليمه بعد ذلك في أحد أهم المراكز التعليمية بتونس وهي الجامعة الزيتونية، وفي دراسته اطلع على تاريخ الأدب وعصور نهضته وعصور اضمحلاله، فكوّن لنفسه ثقافة واسعة قادرة على التمييز بين الجيد والرديء، كما أن ثقافته هذه جعلت رؤيته الشعرية خالية من الصيغ المبتذلة.

كان الشابي مرهف الأحاسيس رقيق القلب، تميز شعره بحدة العاطفة نظرًا لأسباب عدة منها مرضه وإصابته بمرض القلب في طفولته، ما جعله يترك الطفولة سريعًا لمنع الأطباء عنه مشاركة الأطفال في اللهو والركض لعدم قدرته على مجاراتهم. وهو ما جعله حاد فيما بعد سريع التأثر والانفعال، حاد الإحساس لإحساسه بالحسرة والألم، أضف على هذا فراق محبوبته؛ فعندما طرق الحب بابه كان طرقًا سريعًا لم ينتظر خروج صاحب الدار؛ ففي نهاية طفولته خطفت قلبه فتاة أضافت ليومه السعادة والفرح، لكن فرحته هذه باغتها الموت فزاد هذا من تعبه وحيرته فكتب ينشدها..

آه! توارى فجري القدسي في ليل الدهور

وفنى كما يفنى النشيد الحلو في صمت الأثير

لم يمهل القدر أبو القاسم كثيرًا حتى فارق والده الحياة، فتجمعت عليه الهموم والأحزان، وأصبحت مشاعره متباينة فنجده يصف حاله بعد موت أبيه كالضال للطريق.. الهائم على وجه دون أن يعرف أين قبلته..

ما كنت أحسب بعد موتك يا أبي ومشاعري عمياء بالأحزان

أني سأظمأ للحياة وأحتسي من نهرها المتوهج النشوان

وأعود بالدنيا بقلب خافق للحب والأفراح والألحان

ولكل ما في الكون من صور المنى وغرائب الأهواء والأشجان

حتى تحركت السنون وأقبلت فتن الحياة بسحرها الفنان

وقد انعكست هذه التجارب الحزينة في حياة الشابي على شعره؛ ففي كتاب دراسات في الشعر العربي المعاصر يشير الدكتور شوقي ضيف إلى تباين الأطوار النفسية في كتابات أبو القاسم الشابي الشعرية وهو ما جعله يتجه في قصيدته إلى مناشدة الطبيعة والحلم بحياة شاعرية وسط الجبال والوديان يتأمل فيها الكون ويغني فيها مع البلابل.

لكن اتجاه أبو القاسم في شعره نحو الطبيعة كان مرتبطًا بحالته المزاجية؛ فأحيانًا تكون أنغامًا تنشد الجمال وتسبح في بحور الصفاء والنقاء كهذا البيت:

فيك ما في الوجود من نغمٍ حلوٍ وما فيه من ضجيج شديد

وأحيانًا يكون لقاؤه بالطبيعة باعثًا للكآبة والحزن كما في هذا البيت:

فيك يبدو خريف نفسي ملولًا شاحب اللون عاري الأملود

فيك يمشي شتاء أيامي الباكي وترغي صواعقي ورعودي

نختم هنا فصل الرومانسية في شعر الشابي ونذهب إلى الحياة السياسية عند أبو القاسم الشابي، فهو كان ثائرًا ضد كل القيم الفاسدة؛ ففي دراسته بالجامعة الزيتونية قاد حراكًا طلابيًا يهدف لإصلاح التعليم فتزعم الإضراب عن الدروس حتى يتم إدخال العلوم الكونية في التعليم بعد أن اقتصر التعليم على العلوم النظرية وعلوم اللغة والأدب. ويذكر الدكتور محمد الفاضل في كتابه الحركة الأدبية والفكرية بتونس بأن الشابي نجح في إقصاء الوزير الأكبر وشيخ الإسلام ابن عاشور عن طريق تقديم الاستقالة جراء الحراك الطلابي الثوري ضد النمطية في التعليم والتابعة للمستعمر بقصر التعليم على العلوم الشرعية فقط. واستطاع الشابي تكوين حراك طلابي عُرف بلجنة الطلبة.

تحولت الثورة لدى الشابي فيما بعد حتى طالت كل مظهر من مظاهر الفساد في بلاده، فأنكر على شعبه خنوعه للظلم واستبداد المحتل للبلاد، فرومانسية شعره وحبه للحياة جعلته يثور على أي شيء من شأنه تعكير صفو الحياة، فهو ثائر مرضه وعلى حزنه وعلى فراق أحبابه فهاجم مظاهر الظلم واضعًا كل هذه القيم الفاسدة في وجه المستعمر..

فيا أيها الظالم المصعر خده رويدك إن الدهر يبني ويهدم

سيثأر للعز المحطم تاجه رجال إذا جاش الردى فهم هم

رجال يرون الذل عارًا وسبة ولا يرهبون الموت والموت مقدمُ

وهل تعتلي إلا نفوس أبيةٌ تصدعُ أغلال الهوان وتَحطمُ

فالذل هو القبول بمستعمر يقيد بأغلاله يد شعبه. وينذر الشابي المستعمر بقرب الخلاص منه فهو كان ينتفض في وجه الذل والعار المفروض من هؤلاء المستعمرين بدماء شعبه.

وتعد قصيدة إرادة حياة هي أيقونة شعر الشابي وصناعة الشهرة والبقاء لشعره حتى اليوم، فهي كانت معبرة بصدق عن آلام وطنه وأوجاع الظلم لأبناء شعبه. ولعل ما أكسب هذه القصيدة شهرتها هذه هو انتشار الشعر السياسي في الوطن العربي آنذاك كردة فعل على الاحتلال الذي طال جميع بلدان الوطن العربي، فكتب أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ضد المحتل وظل الشعر السياسي تقتصر شهرته على حافظ وشوقي حتى كتب الشابي قصيدته هذه:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر

فويل لمن لم تشقه الحياةُ مِن صفعةِ العدمِ المنتصر

فكان شعره بمثابة الثورة على قيم الخنوع والخضوع والخروج عن المألوف باتخاذ دعوات إصلاحية تبتعد عن السفه والركون للواقع وجعله بوقًا من أبواق المقاومة زارعًا في النفوس قيم العزة والكرامة.

تغنى الكثير من مطربين الوطن العربي بهذه القصيدة وجعلوها أيقونة حاضرة في جميع الثورات العربية فغنتها سعاد محمد وتغنى بها الجميع في العالم العربي.

تكالبت الأحزان والمصائب على صدر أبو القاسم، فكما كانت هي ملهمة لروحه الثائرة والمداد لشعره كانت عبئًا ثقيلًا على قلبه، فمرضه القديم كان دائمًا حاضرًا معه حتى لقى ربه في التاسع من أكتوبر عام 1934 عن عمر يناهز الخامسة والعشرين بالمستشفى الإيطالي بتونس العاصمة. وعلى الرغم من رحيل أبو القاسم الشابي في سن مبكرة إلا أنه اكتسب شهرة واسعة نظرًا لصدق تجربته وروحه الثائرة فكان طاقة شعرية متقدة لا تهدأ أبدًا، فأثمرت كتاباته عن عودة النهضة الأدبية؛ فساهم في عودة الاتجاه الرومانسي في الشعر العربي متأثرًا بشعراء الرومانسية الأوروبيين، فالشابي يعد فذًا من أفذاذ عصره في الشعر، سقى الشعر بدمائه قبل أفكاره حتى عُرف شعره في جميع أنحاء الوطن العربي لصقله وعمق تجربته.

لقد كان مهتمًا بقضايا الأدب والشعر فكانت آخر كتاباته مقال بعنوان “الأدب في المغرب الأقصى” أعدها ليلقيها كمحاضرة في النادي الأدبي لكن أخذه الموت قبل إلقائها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق