مدونات

أو لما يموت الضمير

من النظرة البسيطة لدى بعض العامة و اعتقادهم أن المتعلمين أصحاب مبادئ لا يشترون و لا يباعون و إن زلت بهم الظروف و الحاجات، تكونت صورة نمطية قاصرة لعدم إدراكهم بان عامل المصلحة الظرفية يُخلق من العدم و يقود إلى الانهيار الأخلاقي و مآلات مستنقعه الآسن مؤلمة، و التي قد يكون تأنيب الضمير أيسرها. و كما تذهب الحكمة ” جروح الضمير لا تلتئم أبداً”. فالجرأة على ارتكاب المحرم في سنوات المسار المهني تبدو لأول وهلة للغر خدمة (إنسانية) أو مساندة من منطق الانتماء, شمعدان يعلق عليه كل الانحرافات و أيضا الإخفاقات في الثبات على الحق.

فمن منطلق المتزلف لابن عمه أو ابن بلدته يشرع (الطماع) في التأسيس لمشروعه باحثا عن الاستراتيجية و الحيل المجدية دون الشعور بالمسؤولية الأدبية و الأخلاقية و المهنية للمساهمة في صناعة وهم و خلق بطل من الزيف. هذا المظهر بل هذه المعاناة أصبحا مألوفين في مجتمعنا جراء تغول الجهوية في مناحي الحياة و على أعلي المستويات و أضحت إعاقة مزمنة لكل عمل نزيه يصبو لاستجلاء الحقيقة و قد اتخذت عدة أوجه و اتخذت سبل وصفات قياسية لتحقيقها, فهي تبدأ فردا ثم لا تلبث أن تصبح شبكة ذات تنسيق تنافسي معقد, خاضع لمزاجات الموجه و المسيطر، صاحب المشروع؛ و محليًا و لو أن الجانب القبلي (العروشي) قد لا يبدو بريئا من هكذا سلوكيات مشينه مساهما بسهم وافر، أصبح هما يؤرق مضجع الكثير من أصحاب الشهادات -و لا نقول المثقفين- ليس لتوجه جديد و سليم للقطيعة مع أساليب الماضي بل للجري وراء أصحاب النفوذ و الأموال للسطو على المعلومة و الترويج لأحداث من نسج الخيال كمحسنات مفبركة لتلميع صورة هذا و إظهار آخر على انه صاحب فضل و مروءة, و ثالث كالبطل المنقذ بوسائل عدة متجاوزين كل منطق و النهاية لا يُدرك منتهاها إلا عندما يتغير صاحب المصلحة بعد بلوغ ما يصبو إليه, وقتها لن يجد شاهد الزور مع انتهاء صلاحيته شيئا ليواسي النفس به و لن يقتنع بأي مبرر لتغطية جرمه و انسياقه وراء الانتحار مهنيا دون قناع- فريسة الانتهازية؛ ليقوم في هجيع الليل صارخا بحسرة و الم: يا الله ماذا فعلت؟

و هنا يحق للمرء أن يتساءل عن ماهية هذه الأعمال و إن كانت فعلا للقراءة و التنوير و الإثراء أم مجرد نزوة قلم و شطحة متسلق ضعيف الشخصية. الواقع اظهر بان اغلب هذه الأعمال كانت لتكدس في أماكن مظلمة مدعاة للنسيان ليكسوها غبار الزمن كماض أصحابها. و لان الجميع و خاصة ذوو الإدراك و الاطلاع و العارفين بالخبايا و التوجهات و الأهداف المتوخاة من أي عمل يتجاهلون الخوض مع الخائضين بكل التزام خوفا من الشبهات, لإدراكهم انه مجرد فقاعة من لا حدث.. غير انه من جهة أخرى إذا سلمنا بوجود هذا الكم و النوع من القراء النقاد و المحللين الأكفاء من اجل دفعهم لمناقشة تلك الإصدارات عندها سنكون بمنأى عن أي انزلا قات قد تعرقل الوصول إلى جوهر الأمور و عمق الأشياء بكل مسؤولية, حيادية و انفتاح, و أيضًا بيقين الخبير الذي يحدوه حب الاستطلاع و الاكتشاف غير مستسلم للإملاءات مهما كانت لان القارئ في اختصاصه و الكاتب الشاعر بعبء المسؤولية يتصفان بكثرة التساؤل و الظنون و الارتياب على رأي التوحيديّ: «مَن ضاق صدرُه اتّسع لِسانُه» و إذا توفرت هذه الميزات التي تدفع للتحرر و استقراء المعلومة دون خلفيات أو انحياز حينما يجوز لهما مساءلة أي عمل سنتجه مباشرة إلى عدم تجاهل مَن هم فعلا أولى بالبروز نظير ما أنجزوا لأنفسهم و قدموا للوطن, للتاريخ, و للإنسانية ثم طواهم النسيان بإجحاف كبير و أكثرهم بفعل فاعل غيور حاقد. هؤلاء هم الأولى بالبحث، بالإشادة و معرفة الأجيال انجازاتهم و الأثر الذي تركوه, لان الإخلاص في العمل و البحث الموضوعي و التجرد من الحسابات الضيقة و المصلحة الفردية سمة أي عمل سوي. فالطموح مشروع, ليس عيبًا أو حرامًا أن يبحث عن العائد المادي، الشهرة و المنصب بعد اجتهاد و مثابرة و بالطريقة المناسبة و السليمة لا يصبح عرضة للتشكيك أخلاقيا و إنسانيا. وفاءا للمهنة، النزاهة في تقصي الحقيقة بجد و اجتهاد عامل أساسي لأي عمل أو مبادرة. و معلوم انه بعد ذلك التعب و العناء و حين السعي لأخذ المقابل تبدو مقاومة الإغراءات المختلفة صعبة بالنسبة للبعض بحكم بيئة المحيط الموبوء, الاستعداد والعلاقات التي تولدت بعد نيل الوظيفة.

لما ينحاز إلى هذا الجانب بكل سلبياته يُستدرج نحو ممارسة الإقصاء و الظلم للجانب الذي يجهله و بانتقائية و يغيب عنه صوت الحق و يجانب الاستقامة. فالمشاهد غير المنخرط قد يحسبه فطنة و سعة أفق لكنه بكل تأكيد بلاء عظيم، يقول الله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 30/42). مجال التوبة حينما ” تضربه النصيبة” كما يقول المثل الشعبي مناله بعيد طالما قطع في مسار الغي أشواطا و بالتالي يحق للمرء التساؤل: هل الجنوح لهكذا سلوك نابع من إفلاس فكري و فساد أخلاقي أم انحراف مجتمعي؟

هل حتميةٌ هي مواصلة الانسياق وراء هذه المهاترات التي تولدت من غياب الضمير – لما يموت الضمير-؟

هل تأزم علاج التواطؤ مع الجهلة و المرتزقة على حساب المبادئ و القيم؟

لا احد ينكر بان طريق النجاح صعب و لا يتأَتى بين عشية و ضحاها فهو وليد مخاض و سعي المجد المدرك بان زبد البحر ما يلبث أن يتلاشى و لو قاوم العوامل المؤثرة زمنا. الشروط الموضوعية و التي يجب توفرها تستطيع تجنيبه الكثير من المتاعب و الفشل, فأي حدث, أي قول و أي شهادة لابد أن يخضع للتحليل و التدقيق وفق منظور ليس علمي فقط و لكن كذلك فكري مثبت لأن طمس بعض الحقائق و فبركة أخرى من العدم و من وحي الخيال يعتبر جرائم في حق البعض, الوطن و التاريخ. ذلك أن توفر المادة الخام الطيعة و الأصيلة ضروري لتشكيل أي منتوج حقيقي. قد حدث أن استغلت صورة و فقط لصناعة أحجية متكاملة الأركان, قد تكون كلمة عابرة لا يُلقى لها بال في وليمة تستغل لخلق أسطورة.

و مهما كان المكسب المتوخى سوف يصطدم يومًا ما بالجحود والإنكار و حين الاستفاقة يخسر نفسه أمام نفسه و يعيش كابوسًا تصبح الامتيازات المنشودة لعنة و سرابًا. صنيع كهذا لا يعدو أن يكون سرقة موصوفة, تزويرا و اختلاسا و مصادرة لبعض المسارات ذات الصلة مع سبق الإصرار. إنها المشاركة في تحطيم مقدس و ممارسة ظلم كبير ذلك انه أثار الشكوك حول شأن من الشؤون و خلق جو عدم الثقة لما نافق ثلة أخيار المجتمع لرفع الدنيء إلى مرتبة السيد و القائد دون وجه حق. فاستغلال الحالة النفسية لإشباع الشره و مطامع الوصوليين و رغباتهم الجامحة مآله مزبلة التاريخ, و لعنة هذا المسار شديدة و قد ذهب بعض الكتاب التونسيين بوصف هؤلاء الكتاب بــ “الصعاليك”؛ كلمة بمفهومها السيئ.

و أخيرًا بعيدًا عن لغة الإحباط و زرعًا للأمل و الحياة، الكثير يرى أن ما برز من النفخ في المعلوم والمتعارف عليه يبقى رنين صداه فارغا من محتواه الأصيل و قد فُضحت توجهات و ممارسات مُتبنيها و هي دون شك إساءة للعلم والمنطقة وميدان البحث و يبقى عملا مشينا مس سمعة البعض دون قصد, بسبب سوء فهم او عن دراية, لذا يتطلب إعادة النظر في بعض المؤلفات تمحيصا و تدقيقا من لدن خبراء مبنية على مناهج عقلية, علمية و أخلاقية أصيلة و مخلصة ولا تأخذنا العزة بالخطأ و الإثم؛ فالصمت و اللامبالاة لم يعودا ممكنين بعد أن تفاقمت هذه الظاهرة و جلبت العار لمنتسبيها. و بعيدا عن استنساخ تجارب الماضي، فما سيكتب بكل ضمير و مسؤولية يجب أن يهدف إلى صناعة الوعي وأخذ الدروس منه و ليس فقط إيصال المعلومة حماية للتراث و الموروث الحضاري و التاريخي دون تدليس أو تزوير…

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Benfettacha Mebrouk

مبروك بن فتاشة مواطن جزائري عربي دينه الإسلام, إنسان يعشق الجمال في كل شيئ, يحاول الكتابة للافادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى