ثقافة وفنون

«أوهام السوق» السبب الأول لفشلنا في التواصل المجتمعي

أوهام السوق هي إحدى أخطاء التفكير التي تكلم عنها المفكر فرنسيس بيكون، في كتابه “الأورجانون الجديد”، ويعتبر “بيكون” فيلسوف وكاتب إنجليزي صاحب فلسفة قائمة على الملاحظة والتجريب.

وللتوضيح، فإن أوهام السوق اسم لفظي ليس له علاقة بالسوق في المفهوم البسيط عند البعض، ولكن كلمة أوهام السوق نسبة أنها “أوهام” مرتبطة بالتواصل المجتمعي، وتنشأ في تواصل الناس واجتماعاتهم؛ لذلك يسمى بـ”السوق” لكونه وهم مرتبط بالمجتمعات وتواصلهم واجتماعاتهم.

وتعد أوهام السوق أخطر أنواع الأوهام حيث إنها تنشأ في التواصل اللغوي وتتسلل إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ والأسماء، ترتبط بالناس بالألفاظ والمفاهيم وتخلق لديهم مسلمات بدون إدراك حيث أن تلك الأفكار التي أصبحت من المسلمات ما هي إلا أفكار نشأت نسبةً للغة وللتواصل الاجتماعي.

يظن الناس أنهم يتحكمون في اللغة تحكم كامل، ولكن ذلك ليس حقيقاً فاللغة تخلق حدوداً للتفكير معينة يجب التخلص منها،
إن الألفاظ والمفاهيم التي تسيطر وتثبت نفسها في المجتمع تسيطر على تفكيرنا مهما ادعينا عكس ذلك.

اللغة أو ما يطلق عليه أوهام السوق والتي هي لسان المجتمع، تفرض رسائلها على الجميع كما يقول الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهن: “إن الوسط – وسيلة إيصال المعلومة – يرسل رسالة في ذاته” – أي أن الوسط الذي نتبادل به المعلومات يفرض ذاته على المعلومة، أي أن المعلومة يتم التحكم فيها نسبة للوسط الذي تمر من خلاله. ولكن هذه هي المشكلة، أين الحل؟

الحل هو التحرر التام من قيود أوهام السوق (اللغة) قدر الإمكان، والتحرر من المسلمات اللغوية، وتعلم قدر المستطاع لغة أخرى فإن عملية تعلم لغة أخرى تفتح آفاق وأبعاد كثيرة على المتعلم.

تطبيقات على أوهام السوق

ومن الأمثلة والتطبيقات لما يطلق عليه أوهام السوق والتعقيدات اللغوية، في حالة مراقبتك للمجتمع المصري ستجد أكثر من خطأ يقع فيه الناس بين الربط بين المعنى المكتسب للكلمة أو الجملة وبين المعنى اللغوي الأصلي للكلمة أو الجملة.

إنه أمر نقع فيه جميعنا مهما اختلف ثقافتنا -إلا قلة قليلة- ولذلك يجب أن نعي تلك النقطة وأن نفكر معًا في الأمثلة المطروحة
في كثير من الأحوال، تجد البعض حينما يتعرضون للظلم أو للإيذاء من شخص يقولون أمامه “حسبنا الله ونعم الوكيل”، ولكن ماذا تعني تلك العبارة؟

إنها تعني أن الله هو “الحسب” – أي مصدر القوى، وتفهم ذلك في الجملة الشعبية “لديه حسب ونسب” للدلالة على القوى والنفوذ.
و”نعم الوكيل” – أي أن الله هو الوكيل أي المسؤول عنا ومَن يحكم ويتحكم.

ولكن أوهام السوق تفرض علاقة غير صحيحة بين المعنى الحقيقي بالمعنى المستخدم في الحقيقة، أو بمعنى أوضح علاقة غير مباشرة لإثبات أن المصطلح “حسبنا الله ونعم الوكيل” له معنى مستهلك غير المعنى الحقيقي.

بعد معرفتنا للمعنى الحقيقي واللفظي للجملة، هل ستكون قصة طبيعية في زمننا هذا وفي مجتمعنا إن كان هنالك شخص تلقى معاملة طيبة من شخص آخر ثم وهو ينهي المجاملات والشكر يقول “حسبنا الله ونعم الوكيل”! ألن يكون رد فعل الشخص الآخر كمن تم إيذائه أو إهانته بينما لا يوجد في المعنى اللغوي لجملة “حسبنا الله ونعم الوكيل” أي معنى مهين أو حتى صيغة دعاء بالهلاك لأحد أو تمني الشر لأحد بل هي دعوة عامة وتسليم بأن الله هو مصدر القوى والمتحكم وله المصير.

من الصعب في نهاية الأمر أن أقول لك إنك عندما تتعامل باللغة بشكلها الأصلي ولكن ليس هذا هو لب الأمر، أنني أتكلم عن الإدراك أن المجتمع أحياناً يخلق معنى مختلف للفظ وأحياناً ينتج عن ذلك مفهوم خاطئ عن الفكر.

كمثال آخر، ألسنا جميعاً نعرف أن “من يتقي الله يجعل له مخرجاً”،
ونعلم أن الدعاء إلى أي شخص باتقاء الله _سبحانه وتعالى _ ليس بالضرورة نهائياً أن يكون الشخص الذي تدعو له فاسق أو مقصر دينياً.

إنه لمن الطبيعي أن تدعوا لمن تحب أو من تريد الخير باتقاء الله ولكن هل ذلك المفهوم مفهوم بشكل صحيح في المجتمع إذا ما طبقناها على قاعدة أوهام السوق حيث إنك تجد في المجتمعات المتدينة، أن استعمال الدعاء لفظاً ومضموناً بشكل صحيح،
فتجد الربط الفكري والفهم الصحيح للدين يثبت نفسه في كيفية استعمال المتدينين للغة واستعمال العوام للغة وربطها بالدين.

باختصار إن أوهام السوق متحكمة في تفكيرك لو وجدت الناس تنفر أو تشعر بالانزعاج حينما يدعوا له شخص باتقاء أو خوف الله، سيرتبط في ذهنك كون خوف الله واتقئه سلوك المقصرين دينياً فقط وليس للجميع وذلك قد يؤثر في سلوكك الديني. هل رأيت كيف أن المفهوم اللغوي يؤثر في الفكر ثم بالتبعية يؤثر في السلوك.

لغة العوام وعلاقتها بأوهام السوق

إن اللغة كوسط دليل على مستوى التفكير الذي يحكم الشخص، ومن هنا تأتي فكرة أهمية مراقبة لغة الناس وأساليب تعاملهم لأن ذلك يؤثر في أفكارهم.

إن راقبت لغة البسطاء من الناس أو العوام ستجد أن ألفاظ المبالغة تأخذ شكلاً قوياً في كلامهم، وحتى الألفاظ النابية والإهانات تكون مبنية على المبالغة وذلك يحكم بطبيعة الأمر كون أوهم السوق وأفكار البسطاء دائماً مربوطة بالتعميم والجهل عن الآخر.

إن استعمال لغة غير دقيقة يضعك في قالب المبالغة والتعميم والأفكار الجامدة، إننا لا نهتم بفكرة أيهما سبق الآخر؛ الأفكار العقيمة أم لغة الناس العقيمة، ولكن ما يظهر واضحاً للجميع أن هنالك رابط في الأمر كما قال “بيكون”.

إن مراقبة لغة الناس وتعبيرهم ليس من السفه كما يعتقد البعض، إنما السفه الذي وصلنا إليه لهو من إهمالنا للغة التي هي الوسيط المباشر في تعاملنا اليومي والمستمر. إنني أرى كما يرى غيري أنه لا يوجد قشور ولباب أي أنه لا يوجد أمور ثانوية وأمور أساسية إنما أي الأمور مهما كانت هي وسط في تواصل الناس.

اقرأ أيضًا: التواصل الغير عنيف لغة الحياة: الكلمات نوافذ تقيدنا أو تحررنا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Omar Sobhy

صحفي بمجلة عربي 22 ليسانس اداب جامعة الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق