سياسة وتاريخ

أولهم سلطان مات في المنفى.. ثلاثة رجال فقط قالوا «لا» لإسرائيل (1)

عاد سيزيف من أسطورته ليتجسد في ثلاث رجال فقط، لم ينلهم من أسطورته إلا عقاب الآلهة. وهم؛ عبد الحميد الثاني السلطان العثماني، وشريف مكة الحسين بن علي، ورئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر؛ أولئك من حملوا صخرة فلسطين خلال مائة عام أو أقل قليلًا على أكتافهم صعودًا إلى قمة الجبل. وما أن يصلوا إليها أو كادوا حتى تتفلّت منهم لتسقط إلى السفح ثانيةً، فيعاودون الكرّة مرة أخرى صعودًا وهبوطًا حتى نزفوا واستنزفوا، فمات الثلاثة كمدًا.

يشار إلى أن عبد الحميد الثاني والحسين بن على لم يكونا كحال باقي السلاطين والملوك الذين انتقلوا من القصر إلى القبر، بل عزلا إلى المنفى ثم القبر. وناصر في فراشه محاولًا التقاط أنفاسه من حريق عمان -الأردن- والعود من جديد، لكن صهيل الشهداء خلف حائط الصواريخ عل رمال سيناء المحتلة لم يكن كافيًا لينبئ أن الفارس قد يعود. صخرة فلسطين لن تستقر أعلى الجبل أبدًا فتعانق السماء ثانية قبلةً للمسلمين، إنها اللعنة.

بدأت اللعبة الصهيونية القذرة

لم يكد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، يستوي على عرشه هناك في إسطنبول، مقر الخلافة العثمانية، في عام 1876، حتى بدأت خيوط لعبة شد الحبل؛ بدأ بالإرخاء للحبل، القناع اقتصاديًا والوجه سياسيًا. نريد  شراء مساحات من الأراضي في فلسطين لإسكان المهاجرين اليهود فيها، نعم بدأت اللعبة مبكرة بعرض مباشر ثم وساطة روسية ثم ضغوط.

حاول السلطان العثماني التوازن عام 1881 فأبلغ المبعوث اليهودي أوليڤانت، أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، وأن الدولة تُرحب بالمضطهدين، ولكنها لا تُرحب بإقامة دولة دينية يهودية فيها. رغم محاولاتهم المستميتة  للهجرات والتسلل والتحايل بشكل غير رسمي وغير قانوني واللجوء إلى وساطات الدول الكبرى، ودفع الرشاوي لتخفيف القيود عليهم والدخول إلى فلسطين بحجج مقنعة، والسلطان عبد الحميد يحاول الإبقاء على خيط الحبل  في المنتصف.

وزلزلت الصراعات والمطامع والإمبراطوريات الكبرى مثل الروسية والانجليزية والفرنسية، أركان عرشه بشكل مباشر وغير مباشر منها حروب روسيا واليونان والبلقان وثورات استقلال وصدامات ومؤتمرات وتدخلات بدعاوى طائفية وعرقية وثورات إصلاح في الداخل. شروط وتنازلات تتجدد، ميراثه يزداد وطأة وثقلًا، فيهادن هنا ويناور ويراوغ هناك، وجسد الخلافة العثمانية المريض يشتد به الأمر سوءًا فيتفكك وينسلخ عن بعضه البعض.

الخلافة في مهب الريح.. وأساليب ملتوية من هرتيزل

وفلسطين كابوس في رأسه، لكنها حلم وردي في عقله، إنه صحفي نمساوي- مجري وناشط سياسي، يدعى ثيودور هيرتزل، تعلم من تجارب اليهود السابقة وفي نفس الوقت أجاد تشخيص حالة الخلافة في مهب العواصف. الخطوط المستقية قد تكون أقصر ولكن الملتوية قد تكون أكثر جدوى في الوصول إلى الهدف؛ صفقات معلنة ومستترة، فاختار اللعب بورقتين؛ الأرمن صداع الخلافة وخطيئتها، بعض من وساطة بين الأرمن والخلافة لن تضر، إنه يستطيع تسوية الأمر بالوساطة والحيلة وضغوط أصدقاء اليهود في أوروبا والخروج بحلول عادلة للطرفين دونما تصعيد لعله يخفف من صراخ وعويل نسائهم في المفاوضات، ودموع أطفالهم اليتامى في المؤتمرات، ولعنات شيوخهم في المعاهدات، ووعيد موتاهم في رسائل إمبراطوريات الجوار . ولكن مآسي الاضطهاد العرقي والطائفي، ومذابح شتاتهم، وقبورهم الحية في ذاكرة لا تصدأ، فرفضوا كل حلول ووساطات وضغوط هيرتزل وحلفائه.

إذًا فلتكن الورقة الثانية؛ بعض من المال (رشاوى مقنعة) قد يشفي جرح الدين الخارجي ويعين الخلافة على استقامة صدرها داخليًا ودرء طعان المتربصين حولها بالدين الخارجي. خمس سنوات وهيرتزل لا يكف عن المحاولات والاقتراحات والحيل، ولم لا والرجل حول الحلم بمؤتمر الصهيونية الأول في عام 1897 إلى برنامج واقعي منظم قيد التنفيذ، فليكن إذًا إنشاء وطن قومي لليهود يضمنه القانون العام. نعم ميلاد وطن قومي شرعي مستقل وليس بالتبني تحت سيادة الدولة العثمانية.

عبد الحميد الثاني: ربع قرن من مطاردة شبح اليهود

وفي المقابل، بدأ السلطان عبد الحميد ينفد صبره، ربع قرن منذ توليه الخلافة وشبح اليهود والوطن القومي لهم يطارده ليل نهار، من “حاييم گوديلا” عام 1876، و”أوليڤانت” عام 1881، وأخيرًا هيرتزل 1901، وبينهم عشرات الوجوه والأقنعة. “هذا يكفي”، نعم ليعلنها صريحة وقاطعة، فالإمبراطوريات الكبرى حوله في أوروبا قطعت أوصال خلافته؛ مطامع وثورات وحروب ومهادنة وشروطًا إجبارًا وكرهًا. بلغاريا والاستقلال، وضم البوسنة والهرسك للنمسا، وأحلام استقلال الجبل الأسود والصرب، وضم قارْص وأرداهان، وباطوم لروسيا، والموافقة على تحسين أوضاع النصارى في جزيرة كريت. وقبل هذا احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 قدم كبيرة وخطوة واسعة في الشرق، بعض الجراح قد تطيب وبعضها قد يقتل، لكن  كل الجراح ستمضي. وفلسطين أمر آخر، فأين المفر من العار، غضبة السماء، لعنات الأنبياء، الكبائر سبعًا ولكن التنازل عن فلسطين أم الكبائر الدينية والسياسية، فدونها الموت.

ضجّ السلطان من محاولات هرتزيل وصرخ في وجه مبعوثيه: “انصحوا الدكتور هيرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.

جملة مأثورة قد تلمس بعض الخلود في ذاكرة البسطاء من الشعوب، تلهم الخطباء في ذكرى الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، تتناثر حروفها على مرايا أحاجي الصغار قبل النوم، ولكن لا تخلو من مثاليات وعنتريات في آن واحد، قد تكون حلًا ولكن وحدها لا تكفي، فالمطر قد يسقي زرعًا يشد عود حبه، ولكن لا تمد جذرًا في الأرض من فراغ، الكلمات وحدها لا تكفي، والريح والعواصف والأعاصير حوله قد تحيلها إلى عدم في لحظات.

عبد الحميد الثاني: “فلسطين ليست للبيع”

وظل الوجه العثماني متفردًا بوسامته وبندوبه وبثوره، منذ أن ألقى أجداده منذ قرون في رحم التاريخ بذرة ما عرف فيما بعد بآل عثمان “العثمانية” حتى آلت إليه فشب وكبر وتسلطن حالمًا محافظًا على ميراثه والدم العثماني الخالص. هكذا وجد أبائه وأجداده عليه أن يصبغ كل رعاياه قدامى أو جدد، كل شبر أرض يقف عليها أقدام جنده، باسم واحد قد يزيد لقبًا ولكن يمهر باسم عثمان. “ملك الأمة الإسلامية يا هيرتزل” ولكن من أين يا ترى استلهم تلك الجملة البكر الرشيد وهو المحاط بكل العهر السياسي في الخارج والداخل، أمن خصومه في إحياء نزعة العرقيات والقوميات؟ لا، أم من  أصداء قديمة من باريس عام 1885؟ نعم، جريدة العروة الوثقى، مع جمال الدين الأفغاني، نديمه وجليسه وصاحب الحظوة الكبرى في إسطنبول، عالمًا ومفكرًا ومنظرًا سياسيًا.

لم يخل الأمر من المكائد والدسائس وسم الأفاعي للوقيعة بين الرجلين حتى في البلاط السلطاني نفسه، حتى رحل جمال الدين الأفغاني منذ أربع سنين بعد صحبة خمس، ولكن صوت الرجل بقى حيا حتى رسخه عبد الحميد الثاني في رده القاطع في وجه وسطاء هيرتزل: “الأمة الإسلامية دولة الخلافةلاالدولة الإسلامية”، في عام 1901 نعم  الإسلامية أكثر رحابة وأوسع فضاء من كلمة العثمانية إعادة تجذير لهوية ساحرة لا تعرف وطناً أو حدودًا تنطق بها  كل أرض عليها سجدة صلاة فوقها فضاء واسع يلبى دعوة كل مسلم بتدويل فلسطين القبلة الأولى  روحيًا تحت راية الأممية الإسلامية لفلسطين، والعودة إلى الأصل حيث ترفع قامات أنصاره وراياته عالية، ويوحد خصومه وينال ولائهم في جميع الدول عربية كانت أو إسلامية حتى لو كانوا فرادى لأقوام غير التركية.

ضلت تلك الهوية الطريق منذ 12 قرنًا ميلاديًا أو أقل قليلًا وآن لها أن تعود. ولكن حتى هيرتزل وهو على وشك الرحيل الأبدي لم يزل يجوب أوروبا شرقًا وغربًا يستنهض اليهود في مسيرات حاشده في لندن، يلعب على أوتار المضطهدين والمنكوبين في أوربا الشرقية، لا يكف عن مراجعة السلطان عبد الحميد من وقت لأخر بأفكار جديدة، يطلب الإذن بإنشاء جامعة عبرية في مدينة القدس للشبان الأتراك، إلا أن السلطان رده بعكس ما يريد.

وفي 1903 حاول اليهود عقد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين، فحظر السُلطان نشاطهم السياسي الدولي، حتى رحل هيرتزل في عام 1904 ولكن الأفكار لها أجنحة حلقت في صدور وعقول أتباعه ومؤيده. ويحاول السلطان عبد الحميد من ناحية ثانية، ترسيخ ما بدأه منذ سنوات؛ فكرة الأممية الإسلامية طوق النجاة بقوانين ومراسيم في كل ما تصل إلى حدود الخلافة وما بقى منها، وفكرة إحياء الوحدة الإسلامية لتوحيد الجهود ضد هذه الدول.

محولات السلطان للنهوض بالخلافة الإسلامية

وتزعم السلطان عبد الحميد إبان حكمه هذه السياسة، لأنه وجدها علاج دولته، الترياق الناجع من سم الأفاعي حوله؛ فالوحدة الداخلية وحدها غير كافية بل عليها أن يمتد تأثيرها نحو كل مسلمي العالم. فبدأ السلطان بتطبيق هذه السياسة، وأخذ ينفذها، من  نامق كمال في البيئة العثمانية، وجمال الدين الأفغاني في البيئة الإسلامية والعربية، لتنفيذ سياسته وشد عودها صلبًا قويًا منيعًا.

داخليًا، كان تنفيذ مبادئ الحركة يعني الالتزام بحدود الشريعة الإسلامية، وفي الخارج يعني التفاف المسلمين حول الخلافة. بعد أن بدأ بتطبيق “حركة الجامعة الإسلامية” استطاع أن يحتفظ بولاء الأقوام غير التركية في الدولة، وكسب جميع المسلمين إلى جانبه.

وللمحافظة على ما تبقى من الأقاليم العربية بعد ضياع تونس ومصر، أخذ السلطان يقرب عدداً من الشخصيات العربية كعزت  باشا العابد، وأبو الهدى الصيادي، وغيرهم. وكون فرقة عسكرية أدخلها في حرسه الخاص، واهتم بالمقدسات الإسلامية الثلاث التي جميعها بحوزة العرب وخصص لها الأموال، وعمد إلى مصاهرتهم فزوج أميرتين من آل عثمان بشابين عربيين، وعمد إلى دعوة الزعماء والمفكرين من غير العرب ليظهر اهتمامه برعاية العلم والعلماء. ما يذكر له أنه استعان بجملة من العلماء على رأسهم جمال الدين الأفغاني محاولاً التقريب بين المذاهب الإسلامية والتقرب من  إيران.

ومن الوسائل التي لجأ إليها عبد الحميد الثاني لدعم الحركة؛ إحياء مركز الخلافة الإسلامية لاستمالة المسلمين حول العالم من غير رعاية الدولة حوله، وإظهار حرصه على إقران الأسماء الدينية مثل “أمير المؤمنين” و”خادم الحرمين الشريفين”. وعمد على إضافة مظاهر الزهد وممارسة الشعائر الدينية علانية، وأحاط نفسه بعلماء الدين، وغيرها. وأدخل اللغة العربية على برامج الدروس في المعاهد وحاول جعلها مساوية للّغة التركية اللغة الرسمية للدولة.

وكانت أهم منجزاته لدعم حركة الجامعة الإسلامية؛ مشروع خط سكك حديد الحجاز، كانت لهذه الحركة نجاحاً تتأرجح بين القوة والضعف، وانتشر صداها في العالم الإسلامي والعالم العربي، ولكن فوجئ ببروز دعوات رافضة لحركة الجامعة الإسلامية كفكرة دينية في العالم العربي وتركيا وأوروبا.

الطعنة القاتلة

ولم يلتفت العالم العربي حول فكرة إحياء الخلافة الإسلامية إلا ونشأت أفكار مضادة، وفطنت الدول الأوربية إلى ما وراء دعوة السلطان عبد الحميد الثاني من قوة مضافة قد تساعد الخلافة العثمانية المتداعية على النهوض من جديد مما يفسد خططهم المستقبلية في الشرق تحديدًا، فعملت على تشويه صورة السلطان أمام رعاياها المسلمين بوصفه حاكماً استبداديًا يتسم بالظلم.

وبرزت في العالم العربي القومية العربية خاصةً بين النصارى، ودور عبد الرحمن الكواكبي، أحد رواد الحركة الإسلامية، إلا أنه رسخها بصورة مغايرة عن حركة السلطان عبد الحميد وقد أراد أن تكون  الخلافة عربية وفي قريش ومركزها مكة المكرمة وإبعادها عن آل عثمان، وفي تركيا الحركة الطورانية، حركة سياسية قومية ظهرت بين الأتراك العثمانيين أواخر القرن التاسع عشر  ميلادي، هدفت إلى توحيد أبناء العرق التركي الذين ينتمون إلى لغة واحدة وثقافة واحدة أيضًا. والصراع يتصاعد ليس على مستوى الأرض بل كأفكار تحط هنا وتحلق هناك، تتشابك وتتعارض وتتعقد، من الخلافة الإسلامية إلى الخلافة العربية وحركات القومية العربية، إلى الطورانية التركية.

ولكن الطعنة القاتلة جاءت للسلطان عبد الحميد الثاني من الخلف أي من الداخل؛ ففي عام 1889م، تأسست جمعية سرية تسمى “جمعية الاتحاد والترقي ” على أيدي طلاب المدرسة الحربية والمدرسة الطبية العسكرية وهدفها الوحيد هو عزل السلطان عبد الحميد الثاني، وإعادة الحياة الدستورية للدولة، وكان وراء التشكيل ماسوني ألباني يدعى “إبراهيم تيمو” أو أدهم كما يدعى أحياناً، أخذت أفكار هذه الجمعية تنتشر بين طلاب المدارس العُليا في العاصمة، وانتشرت خارج البلاد بين المنفيين الأتراك في باريس وجنيف والقاهرة، وأصدرت مجلة “عثمانلي” في جنيف لبث أفكارها والترويج لها، وأخذت الحركة تتطور بشكل سريع داخل الدولة وخارجها، فقامت الدول الأوروبية والمنظمات الماسونية واليهودية باحتضانها، حسب تعبير المؤرخين.

السلطان الذي أحب فلسطين تُرك للمنفى

ومن هذا الوقت، بدأت الصهيونة بالتحرك لخلع السُلطان عبد الحميد، نعم كل خصوم السلطان عبد الحميد اجتمعوا عليه من كل صوب، وهو ما بين ترهيب وترغيب ووساطات، ولكن كل جهود الاحتواء فشلت ثم توجت بالاضطرابات والفوضى والقلاقل وتنفيذ العديد من الجرائم ذات صبغة دينية نسبت إلى عبد الحميد الثاني وأفكار الخلافة الإسلامية، أضافوا إليها فواتير قديمة وجديدة . انتهت لشد الحبل بقوة، أفلت الحبل من بين أيدي السلطان المرتعشة، فأحكمت “جمعية الاتحاد والترقي” بجناحيها السياسي والعسكري  عقدة المشنقة حول عنق الرجل فأجبروه على  الخلع ثم العزل.

سقط أخيرًا السلطان وسقطت معه تحت سنابك الخيول فكرة الخلافة الإسلامية وقدسية فلسطين، ومن العزل إلى النفي إلى سالونيك عام  1909. وبينما خصومه من أركان جمعية الاتحاد والترقي يحتفلون ويتبادلون فيما بينهم نخب الانتصار، كان هناك صوتًا مؤرقًا ممزوجًا بالشجن والحسرة والندم يوخز ضمائرهم بعد أن جسدته النتائج وخطيئة تقدير التوابع والمواقف، شبحًا يطاردهم في صحوهم ونومهم، ولكن بعد فوات الآوان.

واعترف أنور باشا أحد قادة الجمعية، لرفيقه جمال باشا: “أتعرف يا جمال ماهر ذنبنا؟”، وبعد تحسر عميق يقول: “نحن لم نعرف السلطان عبد الحميد، فأصبحنا آلة بيد الصهيونية، واستثمرتنا الماسونية العالمية، نحن بذلنا جهودنا للصهيونية فهذا ذنبنا الحقيقي”.

وبنفس مرارة وحسرة الندم يعترف أيوب صبري قائد الاتحاديين العسكريين: “لقد وقعنا في شرك اليهود، عندما نفذنا رغبات اليهود عن طريق الماسونيين لقاء صفيحتين من الليرات الذهبية، في الوقت الذي عرض فيه اليهود ثلاثين مليون ليرة ذهبية على السلطان عبد الحميد  لتنفيذ مطالبهم، إلا إنه لم يقبل بذلك”.

رحلت فلسطين عندما رحل عبد الحميد الثاني

لم يجر بيع فلسطين وحدها بصفيحتين من ذهب فقط، بل بيع معها كل شيء؛ إمبراطورية، وروح أكبر حلم إسلامي، وخلافة تركية وقودها النار والحديد ومدادها الدم في صحف التاريخ طوال ستة قرون مضت، شأن كل الإمبراطوريات والممالك الكبرى آنذاك – إن لم تكن ذئبًا ياصديقي أكلتك الذئاب – نعم تركت علامة فارقة متفرده بعض من حضارة غير مكتملة الأركان لكنها  أسمعت فى العالم كله صوتًا إسلاميًا – عربيًا في عالم ربما لم يسمع عنه العربه في قلب أوروبا، ولم ير إسلامًا في قلب العالم  منذ سقوط الأندلس إلا من خلال الخلافة العثمانية.

برحيل عبد الحميد الثاني رحل كل شيء؛ فلا تصدق أن تلك الأحلام ابتلعتها أمواج مضيق البوسفور على شواطئ إسطنبول  عام 1918 حيث كان شاهدًا على نظرات عبد الحميد الأخيرة، أو بإعلان مصطفى أتاتورك قيام الجمهورية التركية المستقلة في عام 1922 ونهاية الخلافة العثمانية رسميًا، بل انتهت الخلافة فعليًا وأكلينيكيًا بعزل عبد الحميد الثاني عام 1909، فما كان شقيقاه محمد الخامس والسادس إلا خيالات مآته في أيدي الاتحاديين، وأخر شهود على دفن الخلافة إلى الأبد والمسمار الأول فى نعش فلسطين.

وكان السلطان عبد الحميد الثاني قد كتب في خطاب من المنفى في سالونيك، إلى الشيخ الشاذلي محمود بن محيي الدين بن مصطفى أبو الشامات، شيخ الطريقة العلية الشاذلية أنذاك، يقول: “إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني ـ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك) وتهديدهم ـ اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين)، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبًا، فرفضت بصورة قطعية أيضًا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً ـ فضلاً عن (150) مائة وخمسين ليرة إنكليزية ذهبًا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت الملّة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين. لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضاً”.

يتبع..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق