ثقافة وفنون

“أولاد حارتنا” رواية أغضبت السياسيين فاضطر الأزهر لمنعها

“أولاد حارتنا” رواية أغضبت السياسيين فاضطر الأزهر لمنعها.. لعنة الرواية على نجيب محفوظ؟

على الرغم من مرور سبعة عشر عامًا مرت على رحيل نجيب محفوظ،  ومازالت أفكاره وقضاياه تناقش كل يوم، فإذا ذكر اسمه فلا يمكن أن يمر مرور الكرام فهو واحد من أعظم الأدباء في العالم ممن أثروا الحياة الفكرية والثقافية واشتبكوا مع الموروثات واصطدم بالفلسفة والمنطق.

كتابات محفوظ الثائرة على الموروث كانت دائمًا مثارًا للجدل سواء في حياته أو بعد مماته، ولكن تظل روايته أولاد حارتنا هي أكثرهم أثارة على الإطلاق تلك الرواية التي كاد نجيب محفوظ أن يفقد حياته بسبها هي أيضاً التي رفض فيها محفوظ القتل “خَير للإنسان أن يُقتل من أن يَقتل” مثلت هذه الرواية مرحلة تحول رواية نجيب الاجتماعية إلى الرواية الفلسفية والرمزية هذا التحول هو واحد من أهم الأسباب التي مكنت محفوظ من نوبل.

كان لميلاد محفوظ في الحارة المصرية دورًا هامًا في تشكيل وعيه ووجدانه، ففي حي الجمالية وفي عام 1911 ولد محفوظ وسط الحارة والمقاهي المصرية وقد مكنه هذا لاحقًا من معالجة القضايا الأدبية ببساطة خالية من التعقيد.

جاءت أولى محاولات محفوظ الأدبية في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت كتاباته متأثرة بشكل كبير بـ مصطفى لطفي المنفلوطي كما تأثر بعباس العقاد، ومن الكتاب الأجانب نجده تأثر جيمس جويس وفرانس كافكا وهذا ما جعل أدب محفوظ يسمى بالسهل الممتنع ولعل هذا جعل عميد الأدب العربي طه حسين ينبىء له بالحصول على نوبل.

وفي عام 1959 بدأ محفوظ في كتابة روايته الأشهر ” أولاد حاراتنا” والتي جاءت عبر سلاسل وحلقات متتابعة في جريدة الأهرام، ولكن سرعان ما توقفت بعد اعتراض الأزهر ورجال الدين في مصر حيث اتهم محفوظ بالإلحاد والزندقة والإساءة للأنبياء والذات الإلهية.

وإذا نظرنا لروايته هذه نجده تقص قصصًا وحكايات من الشارع المصري، لكن الرموز والإيحاءات فُهمت على أنها إساءة لرموز دينية، وسرعان ما ذهبت الرواية إلى لبنان عام 1962 لتطبع هناك وتدخل نسخ منها مصر سراً وتحدث ضجيجاً أكثر بعد منعها، وسرعان ما ترجمت الرواية للغات عدة وتتخطى شهرتها العربية.

وتبدأ الرواية بافتتاحية وخمسة قصص وأولى هذه القصص هي قصة أدهم والتي تعتبر إشارة آدام عليه السلام وأخيه أدريس وهي إشارة إلى إبليس ثم بعد ذلك يطرد أدهم من بيت العائلة إلى الحارة بعد أن أوشى به أخوه أدريس.

حملت الرواية بعد ذلك عدة شخصيات من الحارة وهم جبل والذي رمز به إلى سيدنا موسى عليه السلام ورفاعة وهي إشارة إلى عيسى بن مريم عليه السلام وقاسم ورمز به إلى شخصية سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذه الشخصيات جميعًا حاربوا الظلم بالحارة وقضوا على فتوات الحارة.

كانت هذه النقطة هي بداية الخلاف حيث اعتبر هذا خلطًا بين الاستعارة والإساءة، لكن محاولة محفوظ إسقاط الماضي على الحاضر واستلهام العبرة عن طريق الاستعانة بأدوار الأنبياء أثناء تأدية رسالاتهم على الأرض جلبت له اتهامت الكفر والإلحاد.

وبالنظر إلى الرواية من زواية أخرى نجد أنها حملت إسقاطات وأشارات ضد الأنظمة السياسية المتجبرة والحكام الشمولي الديكتاتوري وهو ما يمكن تفسيره بأن السياسين تحالفوا مع رجال الدين لمنع الرواية وهو ما يفسر استمرار منعه بمصر لعقود استمرت حتى عام 2006 بينما نجد كتاب كالعقاد وحسين قدموا كتابات مشابه لرواية محفوظ ولم يتعرض لهم أحد بسوء.

كانت الرواية هي إحدى الروايات التي بسببها محفوظ جائزة نوبل حيث حال المرض بينه وبين استلامها ليتم تسلمها من قبل بناته، موصيًا بقرأة رسالته باللغة العربية ومؤكدًا على دور أولاد حاراتنا في محاربة الجهل والخرافة معتبرة الجهل هو أصل الشرور.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى