سياسة وتاريخ

أوروبا والولايات المتحدة: مشاكل مستجدة وتحديات دائمة

لا تكاد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة تتحسن حتى تسوء مرة أخرى، وكان الخوف من عواقب فيروس كورونا هو العنوان الجديد لتردي العلاقات عبر الأطلسي، خاصة بعدما أعلن دونالد ترامب وقف الطيران بين أوروبا والولايات المتحدة باستثناء بريطانيا، ووقف التأشيرات بين الجانبين وكذلك العلاقات التجارية بين الجانبين مساء الخميس الماضي لمدة شهر، وهو القرار الذي لاقى استياءً من الحكومات الأوروبية، لكن ترامب كعادته لم يبالِ ومضى في طريقه التصعيدي دون هوادة.

وكنوع من تجاهل رد الفعل الأوروبي على قرارات ترامب الانفعالية وحماقاته اللتين لا تنتهيان منذ تولي الرئيس الخامس والأربعين، قرر ترامب قراراً جديداً بمنع الرحلات من دول بعينها بالاتحاد الأوروبي خاصة في غرب أوروبا؛ وهي بلجيكا، وهولندا، وفرنسا، وبعد ساعات قليلة التفت للداخل الأمريكي معلناً حالة الطوارئ في أمريكا، متناسياً كل قراراته الصادمة مع حليف المفترض أنه وثيق لأمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إن لم يكن منذ تأسيس البلاد.

العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وبروكسل -حيث مقر الاتحاد الأوروبي- هي بيت القصيد في الخلاف الحالي بين الجانبين، فحتى خلال أحلك الأوقات خلال معارك الحرب العالمية الثانية، بقيت العلاقات متينة بين أمريكا وحلفائها في أوروبا الغربية، فقد تولت إدارة فرانكلين روزفلت نقل المواد الغذائية والدواء للدول المحتلة أو المحاصرة من القوات النازية؛ بما فيها فرنسا التي كانت علاقاتها مع واشنطن أقرب للصراع منها للتعاون.

تمثل أوروبا سوقاً ممتازة ومضمونة للمنتجات الأمريكية خاصة الإلكترونية والتسليحية، كما تمثل أوروبا وجهة هامة للسياح الأوروبيين؛ نظراً لجمال شواطئها، وعوامل الأمن المتوافرة فيها مقارنة بباقي الوجهات السياحية الأخرى، خاصة دول الشرق الأوسط الذي يمر بحالة من الاضطرابات منذ نحو عقدين من الزمن، وبالتالي يمثل الجانبين لبعضهما مصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي، وحتى خلال الخلافات بين إدارات أمريكية سابقة ودول أوروبية لم تصل الأمور بين الجانبين لهذا التردي غير المسبوق.

لكن المتابع لسير الأحداث منتذ انتخاب ترامب قبل سنوات خلت لا يمكنه الفصل بين ترؤس الرجل للشقيق الأطلسي الأكبر ووصول العلاقات لهذا الدرك من الصراع -ما لم نقل من العداء-، فترامب لا ينظر إلا لمصالحه فقط حتى دون النظر لمصالح بلاده التي قد تتضرر بالغ الضرر؛ نظراً لتعارض آرائه مع أبسط قواعد السياسة في العالم، ورغم ذلك أصر ترامب على السير في طريق الهلاك دون رجعة.

ففيما يخص حلف شمال الأطلسي؛ أصر ترامب على انسحاب أمريكا من الحلف لأن الأوروبيين لا يدفعون ما يتوجب عليهم دفعه للحصول على حماية أمريكا، وعندما تصدى العسكريون الأمريكيون لطلبه ورفضوه، أصر ترامب خلال قمة الناتو في بروكسل في يوليو 2018 على أن تدفع الدول الأوروبية 2.5% من ناتجها المحلي لميزانية الدفاع الخاصة بالحلف، ووصل الأمر بترامب لوصف أوروبا بالعدو.

كما أوقف العمل باتفاقية باريس للمناخ الموقعة عام 2015، وتصادم مع فرنسا بشأن الأسلوب المتبع في العلاقات بين الجانبين، الذي اعتبرته باريس غير لائق برئيس دولة عظمى، خاصة مع فرض ترامب رسوم على الخمور الفرنسية أواخر 2018، وحرض بريطانيا أكثر من مرة ضد الاتحاد الأوروبي، ويخشى القادة الأوروبيون أكثر ما يخشونه من إعادة انتخاب ترامب لولاية جديدة يعتقدون أنها ستكون الفصل الأخير في العلاقات الأوروبية الأمريكية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى