سياسة وتاريخ

أهدافها ليست سلمية.. بكين تواصل الزحف نحو إفريقيا وليبيا أولًا

العلاقات الصينية الإفريقية قديمة جدًا ومتجذرة في أوجه التعاون المختلفة بين الصين وإفريقيا في مجالات عديدة، سياسية واقتصادية وثقافية.

وتقسم الكثير من الدراسات السياسية العلاقات الصينية الإفريقية إلى ثلاث مراحل أساسية، وهي:

  • المرحلة الأولى: في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حيث كانت الصين في تلك الفترة تدعم الأنظمة الاشتراكية في إفريقيا في إطار الصراع بين القطبيتين الاشتراكي والرأسمالي.
  • المرحلة الثانية: تعتبر مرحلة انقطاع مؤقت، حيث كان تركيز الصين في تلك الفترة على الجبهة الداخلية مما قلل من العلاقات الصينية الإفريقية والمعاملات بين الطرفين، وهذه الفترة تمتد من  منتصف السبعينيات إلى أوائل التسعينيات.
  • المرحلة الثالثة: هي مرحلة ما بعد تسعينيات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، والتي تعتبر مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث شهدت على عودة الاهتمام الصيني بالمنطقة، أي بروز مرحلة جديدة، أصبحت فيها إفريقيا وجهة مغرية للصين ومنطقة استراتجية لا يمكن تجاهلها، حيث تعتبر استراتجية الصين في إفريقيا مبنية على التعاون الاقتصادي والتجاري، والذي أساسه الربح والمنفعة المتبادلة وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية.

ولكن السؤال المهم، هل ستقتصر استراتيجية الصين مستقبلًا في إفريقيا على التوسع والاحتكار الاقتصادي فقط أم هناك نوايا خفية لتدخلات بشكل أوسع؟ وهل سنشهد على تدخل عسكري صيني في القضية الليبية؟

في البداية، عندما نتحدث عن العلاقات الصينية الإفريقية يجدر بنا التركيز على شمال إفريقيا خاصةً أن الزحف الصيني في شمال إفريقيا أصبح واضح حين تحولت هذه الدول إلى أهم الشركاء الاستراتيجيين للصين.

وتعتبر العلاقات الصينية الإفريقية براغماتية؛ فبالنسبة للدول الإفريقية الصين مصدر رئيسي للأموال وللاستثمارات المدعومة بقدرتها الهائلة في إنشاء البنى التحتية، وكلا العاملين تحتاجهما العديد من الدول الأفريقية النامية.

أما فيما يخص الطرف الصيني فهو المستفيد الأكبر؛ فدول شمال إفريقيا من أغنى الدول من حيث الثروات الطبيعية والنفطية، فالصين تعمل على تنويع مصادر النفط والغاز وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط. و البدائل  المتاحة هي آسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا بالتأكيد، فالصين بالفعل هي أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم ولايزال الاستهلاك يرتفع بقوة.

ويعتبر تدويل شركات النفط الصينية من أهم الأهداف ويكون عن طريق دعم الشركات الصينية في الخارج من خلال منح قروض مالية للدول المنتجة التي ترحب بها. ويعد تأمين الإمدادات هو هدف ثانوي، حيث يتم بيع النفط المنتج في السوق، وليس بالضرورة للصين.

البعض يعتقد أن العقيدة العسكرية الصينية تعتبر إفريقيا مجالًا حيويًا ومصدر لحماية الأمن القومي وهذا ما سيجعلها على أتم الاستعداد للتدخل العسكري إذا ما تم المس بإمدادات الطاقة والمواد الأولية التي مصدرها القارة.

ونلاحظ تزايد  التواجد العسكري للصين بشكل رسمي في أفريقيا عام 2008 مما يدعم من العلاقات الصينية الإفريقية وذلك لأن بيكين مشاركة في حماية السواحل الصومالية من القراصنة بعد القرارات الأممية التي اتخذت في ذلك الوقت لحماية تلك المنطقة، وافتتحت الصين أول قاعدة عسكرية لها في أفريقيا بدولة جيبوتي وذلك عام 2017. ولكن في ظل الوضع الحالي وتشابك الأطراف في الأزمة الليبية، و تعدد الفواعل، هل سنشهد تدخل صيني عسكري في اطار تحالف روسي_صيني  في المنطقة؟

بالنظر للعلاقة الصينية الليبية الاقتصادية فهي تشهد تطورًا ملحوظًا، ففي سنة 2018 وقَّعت شركة النفط الحكومية الصينية PetroChina عقداً كبيراً مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط بهدف مساعدة ليبيا على زيادة إنتاجها من النفط، وأيضًا توجد شركات أخرى صينية كبرى في ليبيا، مثل: شركة البترول الوطنية الصينية (سي.ان.بي.سي) ومجموعة سينوبك والشركة الوطنية الصينية للنفط البحري (كنوك).

يعتبر التدخل الصيني في ليبيا جزءًا من العلاقات الصينية الإفريقية ولقد جاء متأخرًا وخاصةً بعد تدخل أطراف أخرى في الساحة الليبية منذ فترة طويلة، هذا ما جعل الصين تشعر بخطر على مصلحتها الاقصادية في ليبيا وخطر استثماراتها ولهذا تخشى الصين فقدان مكانتها إلى الأبد في هذا البلد الغني بالنفط، نتيجة اشتداد المنافسة هناك.

تنظر الصين إلى ليبيا على أنها عنصر مركزي في مشروع استدامة نمو اقتصاد الصين وتطوره على المدى البعيد، فليبيا مصدر مهم لتزويد الصين بحاجتها المتزايدة للمادة الخام، إذ أن ليبيا لديها واحد من أضخم احتياطيات المواد الخام.

أضف إلى ذلك، الفرص المعتبرة للتجارة والاستثمارات الصينية، وذلك لقوتها الشرائية، والحاجة الماسة لوجود بنية تحتية اجتماعية واقتصادية.

وتعاني ليبيا من عجز كبير في البنية التحتية،حيث يمكن أن تساعدها الصين في إعادة بناء بنيتها التحتية ولهذا فالصين لن تخاطر بتضررها الاقتصادي حيث إن احتمالية تدخلها العسكري ناتج عن خلفية اقتصادية محضة.

فالاهتمام العسكري الصيني بالقارة الإفريقية لا يخرج عن المصالح الاقتصادية التي تمس الصين جراء تدعيم العلاقات الصينية الإفريقية خاصةً في ظل تحول القارة الأفريقية إلى ملعب للعديد من القوى السياسية الدولية التي تبحث عن موطئ بالقارة، وبالتالي على الرغم من حيادية الصين حاليًا واتباعها للمسار السلمي وتركيزها على المجال الاقتصادي فقط . لا يمكننا أن ننفي احتمالية تطور استراتجيتها من اقتصادية إلى عسكرية أمنية، ولكن هل سيكون تدخلها في إطار تحالف مع روسيا؟

ففي تصريح لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بعد اجتماع وزراء خارجية روسيا والهند والصين عبر الإنترنت، قال إن الجهود المشتركة لروسيا والهند والصين من الممكن أن تلعب دور في نشر الاستقرار في الحياة الدولية.

وأضاف أن “إمكانيات الدول الثلاث ستلعب دور مهم في تحقيق الاستقرار في الشؤون العالمية، وستمكن من مساعدة المجتمع الدولي بأسره في الحل الفعال للعديد من المشاكل الملحة”.

من الممكن أن يكون لهذا التصريح الروسي دلالة على تحالف في الأفق ولكن هل سيكون الملف الليبي ضمن الملفات المطروحة على طاولة النقاش؟

يقول أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة باريس الدكتور عادل اللطيفي في حديثه مع الموقع الألماني “دويتشه فيله عربية”، “التدخل الروسي في ليبيا يواجه بصمت عربي من دول فاعلة مثل مصر والسعودية والإمارات، وإن هذا الصمت يتمثل في الحقيقة في التقاء مصالح”.

المعروف عن الرئيس الروسي فلادمير بوتين، حسب رأي اللطيفي، أنه يعارض “الحركات الإخوانية” بصفة عامة. وبهذا تلتقي مصالح مصر والإمارات مع روسيا في محاربة “الإسلام السياسي، بشقيه المتطرف والمعتدل”.و لكن أين تقف الصين من كل هذا؟

يعتقد بعض الخبراء، أن الصين ستبقى ثابتة في موقع الحياد تجاه الشأن الليبي، ويأكدون على غياب نقطة التقاء بين روسيا والصين في هذه القضية، فروسيا تدعم حفتر بشكل واضح، بينما الصين يبدو أنها منحازة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، برئاسة فايز السراج.

فعلى الرغم من أن الصين تسعى تدريجياً لتدعيم العلاقات الصينية الإفريقية وذلك عبر توسيع نفوذها الجيوسياسي في شمال أفريقيا، إلا أنها تتعامل بحذر وتظهر عن عدم رغبتها في الانخراط بشكل مباشر في حل النزاعات التي طال أمدها. في حين أن تفضيل الصين لحكومة الوفاق الوطني ليس بسبب تأيدها لهذا الأخير مما لا يعني أنها ستمد هذا التحيز إلى غاية دعم لوجيستي ملموس لحكومة السراج.

ومن المرجح أن هذا التحفظ الصيني فقط يضمن دعم بيكين لمبادرات السلام المتعددة الأطراف على الهامش، دون أن تلعب دورًا رئيسيًا، فهي تفكر في الجانب الاقتصادي خاصة أن الجنرال خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، لم يصرح ولم يوضح قبوله للصين كشريك اقتصادي. وبالتالي فحكومة الوفاق هي الحل حاليًا.

من ناحية أخرى، حسب تصريحات بعض الخبراء العسكريين والاستراتيجيين، يقولون بأن السياسية الخارجية التي تمارسها الصين حاليًا بشكل عام، ليست سلمية وتهدف إلى تحقيق الزعامة العالمية لكن بأساليب جديدة وليس بنفس الطريقة العسكرية التقليدية التي تعودنا عليها. وبالتالي إن تحقيق الزعامة العالمية يتطلب التدخل في القضايا الدولية وإثبات وجودها السياسي والعسكري في النزاعات.

اقرأ أيضًا: الصراع التركي الروسي في ليبيا.. هل تكون سرت مقبرة أردوغان؟

يقول المفكر ميكائيل باك: “ولكي نكون واضحين، في حين أن الاستراتيجي صن تسو فضل هزيمة الخصم باستخدام الذكاء بدلًا من العنف، فإن استراتيجية الصين الجديدة ليست سلمية مطلقًا. بل هو شكل مختلف من أشكال العنف التي تفضل مزيدًا من دقة وقليلًا من الاستنزاف”.

الصين بدلًا من التأكيد على قوة النيران والمعارك الحاسمة وبدلًا من استخدام وسائل التسلّح الشائعة، ستحاول شلّ قدرة الخصم على شنّ حرب ضد هجمات دقيقة عبر البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني والكهرومغناطيسي والنفسي، وإن الصين تخطو خطوات ثابتة لتكون قوة رئيسية عالمية في شتى المجالات ومن بينها الفضاء.

ونجحت الصين في وضع القمر الصناعي النهائي في نظام الملاحة BeiDou-3 في مدارها، مما دفع البلاد إلى الأمام كقوة رئيسية في الفضاء، وسيسمح هذا الإطلاق للصين بعدم الاعتماد مرة أخرى على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والذي تعود ملكيته للحكومة الأمريكية.

وهذه الخطى التي تتبعها الصين بثبات من شأنها أن تجعلها منافساً جاداً لأمريكا في استكشاف الفضاء ومنافسًا جيوسياسي قوي لروسيا وتركيا في إفريقيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق