ثقافة وفنون

أنطولوجيا الموت: الهروب من القلق الوجودي والتمتع باللحظة المأساوية

إنه لا من العبث أن يصرف الإنسان النظر عن حقيقة الموت المؤلمة والمؤسِسة للوجود الإنساني في بُعده الغائي، والتي تمثل صميم الوجود البشري، بلغة هايدجر: “الإنسان موجود من أجل الموت”، فالفعل الإنساني يتوجه في عمقه نحو تحقيق فكرة تظهر كحقيقة مأساوية، تطاردنا في كل حين، وتحضر بشكل قهري.

توجه الشخص نحو المستقبل هو توجه مرفوق بالموت، التي لا تعبر في الحقيقة عن نهاية حقبة وانغماس في العدم؛ بل هي إمكانية معيشية، تشكل جوهر فكرة النهاية. إن تجربه القلق التي تطرحها حقيقة الموت تحدث اهتزازًا أنطولوجيًا نتيجة هذه التجربة الغامضة، التي تحمل أكثر من علامة استفهام، فكلنا سنموت، وهي باب كلنا داخله. ولكن كيف؟ ومتى؟ وما بعد الموت؟

إن الموت كحقيقة أنطولوجية لا تأتي باعتبارها خلاصة مسار ونهاية سيرورة؛ بل باعتبارها حقيقة ماثلة أمامنا، للهروب من هذا القلق الوجودي. ينظر الشخص إلى الموت، بمنظور قيمي فرداني يتسم بالأنانية والتمركز حول الذات، فالذي يموت هو الآخر وليس الأنا؛ وبالتالي يحاول التخفيف من هذا القلق الوجودي، الذي يؤرق هذا الكائن الوجودي فهي تجربة ذاتيه لا يمكن لشخص أن يعانيها أو يعيشها بدلًا عني، بل أنا من أعانيها وأتذوق مرارتها.

لكن لا ينبغي أن يعني حقيقة الموت تلك الانهزامية والاستسلام وانتظار هذه اللحظة، بمعنى أن الموت ليس هو ذلك القدر الذي يحد من حريتي، ويشل كل إمكانياتي التي تدفعني إلى الإقبال على الحياة. فالذات الحرة لا تتعجل الموت ولا تقبل على الموت أو الانتحار، بل هي التي تحشد كل قواها للاستمرار في الحياة والعطاء الجميل.

صحيح أن الموت حين ينقض على شخص يكون حدثًا أليماً، ولكن الوفاء للشخص الذي نحبه هو الذي يحقق لنا القبض على تلك اللحظة المأساوية، ويحولها إلى لحظة جمالية، بمعنى الاحتفاظ بذكرى السعادة في أنفسنا، تخليد الذكرى وإحياء اللحظات الجميلة في مسيرة الآخر الغائب.

الحب أقوي من الموت”، هكذا قال جابريال مارسيل، أحد أقطاب المذهب الوجودي المؤمن، عانى كثيرًا من تجربة الموت لأنه فقد أمه ثم لزوجته، فشكل هذا الحدث التراجيدي تجربة مريرة في مساره الحياتية وانعكس على فلسفته الوجودية، لكن تجربة الحب تجاه من فقدهم كانت بمثابة الترياق، الذي مكنه من تجرع ألم الفراق، حينما قال “تحطيم القيثارة لا يعني تحطيم النغم”.

الموت ليس اضمحلال جسدي، ولا نفسي أو فكري. بل الاحتفاظ  بذكراه الجميلة والتواصل الروحي بين الأحياء والموتى، حقيقة الموت هي من تكسر هذا الوجه المظلم لهذه التجربة الإنسانية، الوجودية الحزينة، وبالعودة إلى الخطاب الفلسفي اليوناني نجده  لا ينظر إلى الموت كتعطل للجسد وانطفاء للروح، بل إن الموت كما يقول الفيلسوف سقراط (أستاذ أفلاطون): “نأمل بعزم أن الموت هو خير إما أنه يتحول من يموت إلى عدم، ويفقد بالتالي الوعي وكل شيء. وإما الموت هو تبدل، وهجره للنفس من حيث تقيم إلى مكان آخر.. إنه لكسب عظيم أن نموت”.

إن العبرة السقراطية تكمن في كون موت الفيلسوف الحكيم، هو تأسيس لمرحلة معرفية جديدة، تتسم بنوع من الوعي المتقدم في مقابل هذا الفيلسوف، فالإنسان العادي يرى في الموت شر مأساة ونهاية. لذلك يعرف أفلاطون الفلسفة بكونها: “تشبه بالإلهة قدر الإمكان”؛ ومعنى ذلك، التحرر من الأفكار الجاهزة والتصورات المسبقة، والتخلص من سلطة الجسد الحسي الغريزي، الذي يحول دون بلوغ عالم الحقائق الجمال والخير، تلك هي الحكمة اليونانية التي أسست لعالم المثل والقيم والأخلاق.

اقرأ أيضاً: حينها تبصر النور.. ذلك ما يحدث عند الاقتراب من الموت.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق