علوم وصحة

الأنسنة : تطور الكائن البشري

تشير عملية الأنسنة إلى مجموعة التحولات الكبرى التي طرأت على النوع البشري منذ انتصاب قامته، تلك القفزات التي رافقت مسيرة التطور البشري ومكنت الإنسان من تكثيف استغلاله للبيئة وإخضاعها المضطرد لحاجاته.
تقوم تلك العملية على الثلاثية التالية: “الدماغ ـ الذهن ـ الثقافة”. وينطوي الدماغ بدوره على ثالوث متداخل هو: “العقل ـ العاطفة ـ الغريزة” (انظر: مخطط الدماغ الثلاثي للعالم ماكلين).

إذ يعبر عما يحمله من أنماط وراثية للزواحف والثديات والرئيسيات. أما الذهن فإنه مركز الذي يتداخل فيه: الذكاء ـ الوعي ـ التفكير. وينبثق الذهن في داخل ثقافة ما يعبر عن حضوره بواسطتها، وهنا نأتي للعنصر الثقافي القائم على ثالوثه: اللغة ـ المعتقدات ـ التقنية.
هذه المفاهيم مترابطة ولا تعرف حدودًا واضحة، ولا يمكن إضاءة فهمنا للأنسنة بعزل أحد مكوناتها. وهي عبارة عن حلقة تغذية تكمل بعضها من خلال التفاعل وإعادة التنظيم.
من الواضح أن المغامرة الإنسانية بدأت قبل نحو ستة ملايين سنة، ومرت بعدة مراحل: قوام فزيولوجي يتيح السير المنتصب، تحرر اليدين، اكتشاف النار، الهجرة خارج افريقيا وتعقد البيئات، إنسان نياندرتال، الإنسان العاقل واندثار بقية الأنواع، اللغة والزراعة. وفق الحوارية بين انتصاب القامة، مهارة اليدين، الطفولة المديدة، استخدام العقل، ضمن ازدياد التعقيد الاجتماعي؛ صيرورة ظهرت خلالها اللغة والثقافة في وقت متزامن.

إن الاكتشافات المذهلة للأنثروبولوجيا القديمة تحقق لنا وضع تصور لشجرة التطور البشري. فيما يضيء علم ما قبل التاريخ فهمنا للتطور الثقافي.
من المثير معرفة أن حجم الدماغ قد بقي على حاله (420سم3) لدى أسلافنا لمليوني سنة (الفترة الواقعة بين لوسي والإنسان الصانع) مع خضوعه لتغيرات تشريحية طفيفة على مستوى القشرة. بدأ التنامي في حجم الدماغ مع ظهور الإنسان الصانع قبل مليوني سنة (700سم3).
عاش أفراد هذا النوع كجماعات صغيرة في بيئة متوترة يعوزها الاستقرار (حسب الجيولوجي ريك بونس)، أقامت أماكن سكن مؤقتة وصنعت أدوات صوانية لسحق عظام الجيف. مارست الصيد والجمع وهذا النظام يحتاج إلى لغة ما وثقافة تشكل رباطا نفسيا للجماعة وتسمح باستمرارها. تضاعف حجم الدماغ مع الإنسان الفضولي (1200سم3)، واستمر وصولا للعاقل.

إن استخدام القدرات العقلية يحفز نمو الدماغ وكثافة الخلايا العصبية. وأتاحت الولادة المبكرة والطفولة المديدة باحة للتعلم، أي فرصة طواعية للدماغ لاكتساب الثقافة، التي يعبر الذهن البشري عن نشاطه من خلالها. قاد هذا التفاعل إلى تعقيد اجتماعي، ما خلق حلقات تطورية تغذي بعضها وتنشئ الثقافة المعقدة واللغة المترابطين.
سبقت هذه الثقافة الإنسان العاقل بدماغه الكبير (1500سم3) ومهدت المسرح لظهوره.
يحظى الإنسان بجسد غير متخصص، يؤهله للقيام بمختلف التكيفات. ﻓﺎﻟﻴﺪ وفي تفاعلها مع الدماغ ﺗﻔﺴﺢ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﻟﻠﺘﻌﻘﻴﺪ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺇﺫ ﺗﺴﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﺫﺍﺕ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻭﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻒ، حمل ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺟﻨﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺤﻨﺎﻥ، وﺗﺼﻨﻴﻊ ﺍﻷﺩﻭﺍﺕ. ومنذ ظهور الصانع ﻇﻬﺮ ﺍﻟﺘﺨﺼﺺ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﻲ ﻟﻨﺼﻔﻲ ﺍﻟﻤﺦ. ﻭﺣﻠﺖ ﺍﻟﻴﺪ ﺍﻟﻤﻘﺘﺮﻧﺔ ﺑﺎﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻣﺤﻞ ﺍﻷﺳﻨﺎﻥ ﻟﻺﻣﺴﺎﻙ ﺑﺎﻷﺷﻴﺎﺀ ﻭﻧﻘﻠﻬﺎ، ﺍﻟﺘﺤﻄﻴﻢ والتمزيق، ما ﺃﺩﻯ ﻟﺼﻐﺮ ﻗﻨﺎﻉ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻭﺗﻨﺎﻗﺺ ﺍﻟﻀﻐﻮﻁ ﺍﻟﻌﻀﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﻗﺸﺮﺓ ﺍﻟﺠﻤﺠﻤﺔ.. ﻭﺳﻤﺢ ﺑﻨﻤﻮ ﻋﻘﻞ ﺃﻛﺒﺮ. ﺳﺎﻋﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻭﺍﺑﺘﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، ﺗﻮﺳﻴﻊ ﺇﺩﺭﺍك الزمن ﻭﺍﻟﻔﻀﺎﺀ. ما ينعكس بدوره على تطور الدماغ.
إذن، فإن الإنطلاقة الكبرى للأنسنة تحركها المجموعة التالية الانعكاسية: (موران)
الدماغ ـ اليد ـ اللغة ـ الذهن ـ الثقافة ـ المجتمع.
تكتمل الأنسنة في الثقافة، التي ساعد على وجودها عقل متطور، وما كان الفكر ليوجد دون ثقافة. (موران)
كان التطور الفزيولوجي بطيئًا، وتوقف تطور حجم الدماغ منذ مئتي ألف سنة، لكنه تقدم في المعرفة المكتسبة والتنظيم الاجتماعي (راسل، بتصرف) والابتكارات والمعتقدات والتحول من جماعات إلى المجتمعات. وداخل الوعاء الثقافي تطور عقل الفرد وذهنيته. وتملأ الثقافة ما تركته البيولوجية من فراغ، وقد تنجز ما لم تنجزه الطبيعة.
الثقافة نتيجة تعقيد الفرد والمجتمع، وتزيد بدورها من تعقيدهما.
وبحث من الثقافة انبثق الذهن عن الدماغ. ويبلغ الذهن أرفع مستوياته مع الوعي الذي هو نشاط ذهني تأملي فائق، تأمل الإنسان لذاته المدركة.
عزز انبثاق الذهن تحول المجتمع وتعقيداته، فالمجتمع هو تفاعل متشابك بين أذهان أفراده، ولعبت اللغة الدور الأبرز في تغذية هذه العلاقات.
والذهن، المركز الذي يلتحم به الذكاء والفكر والوعي واللغة والفرد والمجتمع، هو ابتكار من عملية الأنسنة ويبدع خلال التطور البشري. عليه لم تعد إعادة التنظيمات الوراثية تبتكر، بل القدرة الذهنية. (موران)


المصادر:

1- النهج: إنسانية البشرية، إدجار موران
2- الإنسان والحيوان والآلة، كابلن وشابوتييه
3- تنينات عدن، كارل ساغان
4- حضارات العصر الحجري القديم، فرنسيس أور
5- السلطة والفرد، برتراند راسل

اقرأ أيضًا: النزعة الإنسانية “الأنسنة”

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق