سياسة و تاريخ
أحدث المقالات

أندلسيات رمضان مع الدكتور جمال عبد الرحمان (2)

قرأتم معنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أشهر المعارف العامة وماتواتر ذكره لنا حول تاريخ الأندلس، لكن في هذه الحلقة الثانية يرافقنا الدكتور جمال عبد الرحمان بتبيان أبرز الحقائق التاريخية المغلوطة التي ارتبطت بفتح الأندلس..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن يطمئن الطفل العربي إلى أنه سليل أجداد عظماء فتحوا بلاد الدنيا، يصطدم -عندما يشرع في البحث- بالحقيقة الأولى: لم يكن فتح الأندلس فتحا عربيا، بل اشترك فيه مسلمون غير عرب، ويكفي أن قائد الفتح نفسه، طارق بن زياد، كان من البربر.

كان الإسلام فقط هو الذي يجمع الفاتحين، لكن الاختلافات بينهم كانت حاضرة، لدرجة توزيع أهل كل بلد على مدينة إسبانية، منعا للتنازع بسبب العصبيات، ولذلك فالأثر الشامي حاضر بدرجة أكبر في مدن بعينها، وقل مثل ذلك على الأثر اليمني والأمازيغي.

لم يكن طارق بن زياد عربيا، ولذلك فمن المستحيل أن يكون قد ألقى تلك الخطبة العصماء التي تداولتها كتب المدارس. تستطيع أن تشك أيضا في موضوع إحراق السفن، عندما تقرأ أن القائد الإسباني إيرنان كورتيس عندما وصل إلى المكسيك أحرق السفن حتى لا يكون أمام جنوده إلا القتال حتى النصر.

اطمأن مؤرخونا إلى رواية الأجداد، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التحري عن الحقيقة، أما على الجانب الآخر فالأبحاث تتواصل، وربما يصدر بعد أيام عن مؤسسة البابطين كتاب اشتركت شخصيا في ترجمته، ألّفه مجموعة من الباحثين الإسبان عن تاريخ إسبانيا في الفترة من 711 إلى 1492، وفيه بحث خاص بأحداث عام 711. يذهب الباحثون إلى أن هزيمة إسبانيا في تلك الحرب القصيرة إنما ترجع إلى عوامل داخلية إسبانية وإلى عوامل أوروبية أخرى.

المهم في دراسات الأوروبيين هو أنهم يتحدثون عن وثائق، أما في عالمنا العربي فالارتجال هو عمدة التأليف، حتى أصبح التأريخ مهنة يشتغل بها بعض المشهورين من الدعاة.

ﻟﻢ ﺃﻛﻦ ﺃﻧوي ﺍﻟﺘﻮﻗﻒ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻋﻨﺪ ﺑﺪﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﺍﻹﺳﻼمي ﻟﻸﻧﺪﻟﺲ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺬي ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺻﺪﻭﺭﻩ ﻋﻦ ﻣﺆﺳﺴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻄﻴﻦ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻟﺒﺎﺣﺚ ﺇﺳﺒﺎني ﻋﻜﻒ ﻋﻠﻰ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻭﺛﺎﺋﻖ ﻛﻨﺴﻴﺔ. ﻳﻘﻮﻝ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻮﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘي ﺩﺭﺳﻬﺎ ﻻ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺷيئ ﺣﺪﺙ ﻋﺎﻡ 711، ﻭﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻳﺪﻋﻮﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻮﻗﻒ ﻗﻠﻴﻼ.

ﻳﺘﻔﻖ ﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻮﻥ ﺍﻷﻭﺭﺑﻴﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﻠﻔﺘﺢ – ﻫﻢ ﻳﺴﻤﻮﻧﻪ ﻏﺰﻭﺍ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ – ﻛﺎﻥ ﻳﻜﺘﻨﻔﻬﺎ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ، ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻏﺰﻭ ﺃﺻﻼ ‏( ﻳﺴﺘﻨﺪﻭﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻧﺼﻴﺮ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺑﻠﻎ ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻩ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺟﻴﺶ، ﺧﺎﺻﺔ في ﺑﻠﺪ ﻳﻔﺼﻠﻪ ﺑﺤﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ‏).

ﻳﺆﻛﺪ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﺃﻥ ﺍﻟﻮﺛﺎﺋﻖ ﺍﻟﻜﻨﺴﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺻﺪ ﻛﻞ ﺷيئ، ﻭﻳﺮﻯ ﺃﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ ﺗﺸﻴﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻮﺛﺎﺋﻖ ﻣﻦ ﻗﻠﻴﻞ ﺃﻭ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﺇﻟﻰ ” شيئ ﺣﺪﺙ ” ﻋﺎﻡ 711 ، ﻓﻠﻠﻤﺮﺀ ﺃﻥ ﻳﺸﻚّ في ﺣﺪﻭﺙ ﺍﻟﻐﺰﻭ ﺃﺻﻼ.

ﺑﻌﺪ ﻓﺘﺮﺓ ﻏﻴﺮ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺗﺸﻴﺮ ﺍﻟﻮﺛﺎﺋﻖ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻭﺗﺮﻯ ﺃﻧﻪ ﻋﻘﺎﺏ ﺇلهي ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﻧﻬﻤﻜﻮﺍ في ﺍﻟﻤﻠﺬﺍﺕ ﻭﺧﺎﻟﻔﻮﺍ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ. ﺍﻟﺸيئ ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻷﻭﺭﻭبي ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﻭﺻﻮﻝ ﻣﺴﻠﻤﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺇﺳﺒﺎﻧﻴﺎ ﻗﺒﻞ ﻃﺎﺭﻕ ﺑﻦ ﺯﻳﺎﺩ، ﺑﻞ ﻗﺒﻞ ﻃﺮﻳﻒ: ﺇﻧﻬﻢ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﺮﻑ ﺍﻹﺳﺒﺎﻥ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﻢ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻹﺳﻼﻡ. ﺃﺿﻒ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﻧﺒﺎﺀ ﻋﻦ ﺣﻔﺮﻳﺎﺕ ﻟﻘﺒﻮﺭ ﻣﺴﻠﻤﻴﻦ في ﻓﺘﺮﺓ ﺳﺒﻘﺖ ﻋﺎﻡ 711.

ﻻ ﺃﺩﻋﻮ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﺇﻟﻰ تبني ﻭﺟﻬﺔ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺑﻞ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺗﺮﺍﺛﻨﺎ ﺍﻟﺘﺄﺭيخي ﻭﺍﻷﺩبي، ﺣﺘﻰ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﺃﻭ ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﻣﻊ ﺍﻷﻭﺭﺑﻴﻴﻦ ﻓﻴﻤﺎ ﺫﻫﺒﻮﺍ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻟﻠﺤﺪﻳﺚ ﺑﻘﻴﺔ ﺇﻥ ﺷﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق