ثقافة و فنون

أنا ونجيب سرور والديوان الممنوع

في عام 2003 قمت، مع ثلاثة من الأصدقاء، ب”أخطر” مغامرة في حياتي (حتى الآن) وهي الحصول على ديوان “نجيب سرور”الممنوع. في ذلك الوقت كان “شهدي” ابنه (الذي رحل مؤخرا بسبب مرض السرطان) قد قام بنشره على شبكة المعلومات الدولية، الإنترنت، وهو الأمر الذي سبب له مشاكل قضائية كثيرة، واضطره للرحيل عن مصر، باعتبار أن ذلك الديوان عملا “مرفوض” رقابيا لأنه يحتوي على ألفاظ وكلمات غير خارجة وغير لائقة أبدا.

كنت قد قرأت عن الديوان تحقيقا صحفيًا رائعًا، كتبه صحفي فلسطيني كان يعمل في صحف مصر،اسمه “حازم الزويدي”، في جريدة “العربي” الناصري عام 1999، وفيه يحاول رصد تاريخ كتابته، ويورد شهادات من كانوا حول “نجيب سرور”، وهي أسماء كبيرة ولامعة، مثل “خيري شلبي” و”أحمد فؤاد نجم” و”عبد العزيز مخيون” و”صافي نازل كاظم” وغيرهم.

بعدها قرأت عرضا لمذكرات الفنان “جلال الشرقاوي”، زميل وصديق “سرور” في البدايات، في جريدة “القاهرة” كتبه “بلال فضل” على حلقات عام 2000،  وكانا – الشرقاوي وسرور- يدرسان سويا في الاتحاد السوفيتي، قبل أن تتفرق السبل بينهما، ومن هذا كله تعرفتُ على قصة حياة ذلك الشاعر والمؤلف والفنان المأساوية، وكنت شديد الرغبة في الحصول على ذلك الديوان تحديدًا، وهو ما دفعني، ومعي أصدقائي، لتلك المغامرة، وحصلتُ بالفعل عليه (الطريف أن أبي هو من قام بطباعته وبالطبع فإنه قرأ بعضا منه ولا أنسى أنه قال لي: إيه ده؟ الشعر ده فيه حاجات “وحشة” قوي!).

ثم حدث منذ عامين أنني وجدت بالصدفة رواية “سرور” ل”طلال فيصل”، وقد صدرت عام 2013 عن دار الكتب خان للنشر والتوزيع في القاهرة، وبالطبع لم أكن أفوّت فرصة لقراءة أي شيء عن “نجيب سرور”، وبالفعل قرأتها في ليلة واحدة (355 صفحة) وفيها يتناول الكاتب  -روائيا وتسجيليا-  جانبا كبيرا من حياة ذلك الشاعر، خصوصا فترة إقامته في مستشفى الأمراض العقلية، وقد دخلها -أو أدخلوه فيها- بعد تدهور حالته الصحية والنفسية لدرجة خطيرة.

“نجيب سرور” (1932-1978) حالة خاصة جدا في الوسط الفني والثقافي المصري، قدم تقريبا كل أنواع الإبداع فهو شاعر وكاتب وممثل وناقد، وكان صاحب موهبة كبيرة في كل ما قدمه، وكان مستقبله ينبئ بفنان وكاتب مصري لا مثيل له، ولكن..

لا أحد يعرف على وجه اليقين السبب الحقيقي لمأساته، فهل هو معارضته للاستبداد والقمع، أم فساد الوسط الفني والثقافي الذي حرمه من نجاحه، أم وساوسه الداخلية وحساسيته المفرطة التي جعلته لا يعرف كيف يتعامل مع الظروف والوسط الذي انتمى له؟

في عام 1958 سافر في بعثة للاتحاد السوفيتي لدراسة المسرح لكنه لم يعود إلى مصر، وتزوج من روسية وأنجب منها وظل متنقلا بين عدة دول شرق أوروبية، حتى توسط له البعض وعاد للقاهرة، ولم يتعرض له أحد بسوء، بل كانت تلك السنوات (1964- 1967) سنوات مجده ونشاطه الفني المتميز، ففيها قدم معظم إبداعه من مسرح وكتابة، حتى جاءت نكسة/هزيمة يونيو، وأطاحت به وبنفسيته وشخصيته.

المتفق عليه أن “سرور” كتب ديوانه الممنوع في نهاية الستينيات، ولكن ما لم يتفق عليه أحد هو أسبابه لكتابته، وأيضا نسبة كل مقاطع ذلك الديوان له، وحتى التسجيل الشهير له وهو يقرأه. هذه هي الفترة الغامضة في حياة ذلك الشاعر الموهوب، حيث تتضارب الأقوال عنه وتختلط، فمنهم من يقول أن “كثيرين” عمدوا إلى تحطيمه نفسيا، ومنهم من يقول أنه هو -وليس غيره- من صنع مأساته بنفسه.

الأسماء والشخصيات كثيرة (ومهمة) في تاريخنا الأدبي والثقافي والفني، لكن لا أحد يقطع بدليل أو بينة، بل إن هناك من شكك في واقعية واقعة “الحذاء” الشهيرة، وهو اسم واحدة من أشهر قصائده، وملخصها أنه رأي والده وهو يُضرب بالحذاء على يد عمدة قريته، إخطاب، ما سبب له أزمة وعقدة نفسية طول حياته، وبعضهم يقول أن الواقعة مختلقة بالكامل، ومن وحي خياله الشخصي، وفي كل الأحوال فإن قارىء ديوانه الممنوع يشعر -رغم كل التجاوزات اللفظية فيه- أنه أمام “مأساة” شديدة لشاعر وأديب متميز، ومهما كان سبب تلك المأساة فإنها قد حدثت بالفعل وكان لها تأثيرها المدمر على شخصية ومسيرة “نجيب سرور”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق