ثقافة وفنون

أنا حرة.. فلسفة المفهوم وبعد الزمان

رغم البعد الزمني لرائعة إحسان عبد القدوس إلا أنها مازالت ضاربة بجذورها في أعماق واقعنا، فهي قضية الأمس واليوم والغد.

الحرية تلك الكلمة المطاطة المتحولة والمتلونة، فهي متغيرة بتغير الظروف والمجتمعات، فما كان متعارفا عليه عندنا بأبجدية الحرية كان عند الغير هو سقف ونهاية ما فوق السقف.. ولعل ذلك هو الذي جعل عبد القدوس يضع في مقدمة قصته “ليس هناك شيء يسمى بالحرية وأكثرنا حرية هو عبد المبادئ التي يؤمن بها وللغرض الذي يسعى إليه.. إننا نطالب بالحرية لنضعها في خدمة أغراضنا.. وقبل أن تطالب بحريتك اسأل نفسك، لأي غرض ستهبها..”

ومن خلال هذا التعبير الفلسفي لإحسان عبد القدوس حيث يضع الشيء ونقيضه في موضع الترادف فالحرية هي العبودية والعكس صحيح، ويري بأننا نسعى إلى الحرية لا لشيء إلا لنعبد ما نصل إليه وندور في خلده نعرف جديد غيره ولا قديم سواه.. ومن خلال هذا المفهوم يقيم عبدالقدوس قصتها.

تلك التي تدور في حي العباسية شارع الجنزوري حيث بطلة قصته أمينة تلك الفتاة ملتهبة الوجنتين حمراء الشفتين، حالمة تسعى لتحطيم كل القيود التي تقف أمامها حتى لو كانت هذه القيود لحمايتها تلك، التي توضع من باب أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، فكان أول ما تمردت عليه الوقوف في الشرفة فهذا الفعل يعد آنذاك من الموبقات مرورا بهروبها من المدرسة لا لشيء إلا لكسر الروتين ولو ليوم واحد، تريد أن تقطع هذا الروتين، علاوة على إصرارها على الالتحاق بالجامعة ودخولها للجامعة الأمريكية رغم انصراف الحكومة المصرية عن خريجي هذه الجامعة في التعين، لا تدري لماذا اختارت هذه الجامعة.. ربما لأنها كرهت أن تضمها مع فتيان حي العباسية جامعة واحدة، وهم جمعيا قد التحقوا بالجامعة المصرية.

ثم كسرها لــ “التابوه” المجتمعي الشعبي آنذاك واتخاذها لجلال صديقاً وما تم بينهما من عناق وقبلات، ولم تنزعج لمثل هذه القبلات فشخصيتها دائما طاغية على شخصيته ومحاولة إثبات ذاتها في إصرارها على العمل وجمع المال، ثم ينتهي الأمر بتركها لهذا كله لتخضع لحب ابن حارتها عباس ذلك السياسي والصحفي المخضرم وتظل علاقتهما على مدار ثماني سنوات ولم تكلل بالزواج بل الأدهى أنها لا تفكر في الزواج من عباس لفساد عقيدته، وهو كذلك لا يفكر في الزواج لأنه لا يؤمن به، ولأنه يخشى على حبهما من الفاسد منه.

رغم ذلك فهي دائما ملك له وملك لنزواته، وملك لأوقاته، وملك لما يريد.. وقد ظنت لجهلها أن الزواج قيد، وعاشت حياة فاسدة مبتذلة، بسب فهمها الخاطئ للحرية.

ونجد عبد القدوس قد حاول تجريد مفهوم الحرية والتعامل مع المطلق والمجرد و رغم تعارض مفهومه للحرية مع مفهوم أرسطو “أن المرء ينبغي له أن يعيش كما يشاء، أما العكس فيكون علامة على العبودية ” إلا أنه هذا التعارض هو في حقيقة الأمر تعارض ظاهري.

فأن تعيش كما تشاء يفرض عليك ألا تقع تحت سلطة التمرد اللامتناهي فخضوعك لرغابتك هو نوع من العبودية، فأمينة تمردت على واقعها دون تدري ماذا تريد، صادقت جلال وفعلت معه ماكنت ترفضه من قبل، هل اختفت تلك الفاجعة من ذاكرتها أم تناستها لا لشيء سوى أن جلال وسيم وخجول.

يضعنا الكاتب هنا في مفارقات النفس الإنسانية.. هذه الفتاة هي التي رفضت القبلات من قبل واعتبرتها فعلا مقززا خارجا عن إطار الفضيلة، وكان لحادثة القبلات من ذاك الشباب الذي اعتبرته بمثابة أخيها الأكبر وقع سيء على نفسها، وكم عرضت عليها القبلات من ذي قبل.

وإذا كانت القبلات حرية فالعهر أيضا حرية ولكن حرية كحرية عبادة الأوثان فكلاهما عبد للشهوات والآخر عبد للخرافات، يحاول عبد القدوس أن يقنن مفهوم الحرية وأن يكبح جماحه، فالحرية اللامتناهية تصنع دمارا لامتناهيا، فلا شيء في الكون مطلق.

أحيانا تكون القيود بداية الحد من الشطوط، فحرية الشعوب المطلقة مهلكة وللفرد مضيعة.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى