مدونات

أصبحت أمََّا في طرفة عين!

في طرفة عين، أصبحت أماً لطفلٍ رضيع، وقتها اختلطت مشاعري، أحسست بخوف وفرحه وكثير من المشاعر المتناقضة في ذات اللحظة، أتذكر كم بكيت في أول أيامٍ له في الحياة، وأنا أتلمس يده الصغيرة وأضعها بين يدي، فأرى كم هو هزيل وصغير فيعتصر قلبي عليه، أسمع صوت صراخه فيسحق خلايا قلبي، وأرى نفسي أصغر منه أمام تلك المسؤلية، أخشى عليه من كل يد تحاول أن تلمسه، ويرتعد داخلي وأنا أرى أعين الناس ترمقه.

كائن جديد في حياتي، كيف لي أن أكون مسؤولة عنه، وأنا التي مازالت تحيا كطفلة، كانت منذ أيام قليلة لا تعبأ للدنيا هماً، هو الآن يحتاجني في كل همساته، يشعر بالآمان وأنا أحتضنه، أنا السبيل الوحيد له في المأكل والملبس والنظافة والأمان، نما بداخلي شخص ناضج فجأة، يعرف كيف يتعامل مع المواقف الحرجة، وكيف يصل لحل أعقد المشكلات إذا ما اقتربت من ملاكي الصغير.

هنا جلست مع نفسي، علي الآن أن أتفهم وضعي الجديد، علي أن أهتم به أكثر من نفسي، علي أن أحمل عنه كل أذى قد تتجرأ الدنيا على وضعه فيه، تعهدت لنفسي أن أخفيه بين أحضاني طوال حياتي، وأن لا أسمح لأحد أو شيئ أن يقترب منه، وأن آتي له بحقه من كل من يحاول أخذه منه، توقفت عندي الحياة، فلم أعد أحيا حياتي، بل أصبحت أحيا حياته، فلا مجال عندي لإرتداء الكعب العالي الذي أحبه إذا ما كان هو بحاجه لي أن أحمله، ولا جدوى لي من أن أفعل ما يحلو لي لأنه لم يعد يناسبه، أحببت صوت أغانيه أكثر من الأغاني الرومانسية، أحببت صحبته أكثر من الخروج في أرقى الأماكن، أصبح لا يناسبني أي شئ لا أرى به ضحكه عيونه وراحه قلبه، لم أشعر بالضيق كونه امتلك أيامي، بل شعرت بالراحة والآمان وأنا في معيته.

في يوم ما وبلا سابق إنذار أفقت من قيلولتي، لأجد هذا الطفل الصغير قد كبر، وقف أمامي ليعاتبني بصوته الأجش متسائلاً، كيف لي أن أخفي عنه إحدى أسرار حياتي، الآن وجب علي أن أطرق عليه باب غرفته قبل الدخول.

اندهشت كثيراً، أنا التي كنت منذ أيام يناديني لأساعده في ارتداء ملابسه، الآن علي الانتظار خارج الغرفه ليخرج متأنق دون الحاجة لي، أصبح يحمل عني الحقائب بعدما كنت أحمل أنا عنه حقيبه مدرسته.

وجدتني أماً لشخص بالغ ولم أعد أماً لذلك الطفل المتشبث بي، في بداية الأمر انتابني شعور غريب، كأن ابني يخرج من كنفي، لكني سرعان ما شعرت بالسعادة، فقد أهدتني الدنيا صديقًا جديدًا، نوع آخر من العلاقات في الحياة، فلا أعتقد أن الصراع الأذلي القائم بين المراهق ووالديه يكمن في وجود هذا الشاب بالبيت، وإنما يكمن في كوننا لا نستطيع تقبل نوع جديد من العلاقات، فقد يصعب علينا نحن الآباء والأمهات استيعاب خروج أبنائنا من دائرتنا، وقد نراهم دائماً هؤلاء الصغار، حتى وإن كان الواقع أنهم صاروا رجالاً.

هنا حق علي الجلوس مع نفسي مرةً أخرى، ولكن بعد مرور سنوات وسنوات، فلم يعد في بيتي طفل صغير يحتاج مني المساعدة، ولكن الآن في بيتي شاب جميل يحتاجني بشدة ولكن بشكل يناسبه هو:

– الآن تتبلور شخصية ابني ليصبح شخصًا مستقلًا بذاته، وإحدى أهم أخطائنا أننا نضعهم أحياناً في صراع، عندما نضع في أذهاننا صورة لهم، نرسم كل تفاصيلها، ونضع أدق رتوشها، لتصبح لوحة رائعه لفنان عظيم، ولكنها بلا روح، ثم نصارعهم لإخفاء روحهم ليكونوا صورة طبق الأصل من تلك اللوحة التي لا وجود لها سوي في خيالنا.

– نحن لا نتقبل سرعة تغيرهم، وتأرجحهم بين الطفولة والشباب، فنطلب منهم أن يكونوا صائبين في احتياجتهم، ونرهقهم بما يفوق قدراتهم مطالبين إياهم بتحديد أهدافهم لسنوات وسنوات، وهم ما زالو يتذبذبون في اختيار نوع الطعام المفضل لهم الآن، فأجسامهم وعقولهم الآن تحتوي على العديد من التغيرات التي يصارعونها ليتعايشوا معها، في ظل مجتمع للكبار لا يعلمون عنه شيئاً.

– يحتاجني ابني في عمره هذا لأسانده دون أن أتحكم به، يحتاج نصيحتي بشدة، لكن دون أن أتخذ بدلاً عنه القرارات.

– يحتاج مني المرونة، فهو يميل بطبع عمره لخرق كل الحدود والقواعد، فلا يحتاج مني الصرامة في القرارات بقدر ما يحتاج مني الصداقة.

– يحتاج أن أمنحه الثقة وهو في كنفي، حتى يعمل جاهداً ليكون عند حسن ظني به.

– قد يقضي ابني جل يومه في حجرتة منعزلاً حاملاً هاتفه، ولكنه قد يصنع المجد لذاته محاولاً البحث عن طريقه في الحياة وهو يفكر.

– الآن عليّ أن أعلم ابني أن يكون قويًا، يعرف كيف يأخذ حقه بدلاً عني، ثم أعلمه أن يعفو، فقوة العفو تكون عند المقدرة، ولا يمكن أن تكون عن ضعف.

– لا يمكنني أن أطلب منه أن لا يصبح تابعًا للآخرين، إذا لم أتقبل اعتراضه، فقوله “لا” لي تعني أنه يفكر وأنه قادر على الاختيار وهذا ما يجعله قادرًا على اتخاذ قرارت صحيحه بمفرده.

الآن هو يحيى خارج حدودي، وعليّ أن أطلق له العنان، وأن أصادقه، وأتقبله كما هو، وليس علينا أن نصنع منهم أشباه لنا فهم لم يعيشوا حياتنا، فكما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- “لا تربوا أولادكم كما رباكم أباؤكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”

عندما سألني ابني عن سر من أسرار حياتي، أجبته بما داخلي لحظتها متسائله له، هل يمكن لك أن تصدق أني بعدما ضممتك لصدري وقد غفوت للحظات، استيقظت وقد وجدتك كبرت؟ هل سوف تصدق أن بين طرفة العين وقبل انتباهتها، أصبحت لا أحني رقبتي لأنظر إليك بل عليّ أن أرفع قامتي وأنظر لأعلى حتى أراك؟ ولكني أشعر أنك رفعت قامتي في الحياة وأخلفت بعدي ذكرى بوجودك.

الآن يمكنني أن أرتدي الكعب العالي الذي أحبه وأتعلق بيد ابني لنخرج سوياً، لا لأذهب به إلى حدائق الأطفال، ولكن لنحتسي سوياً فنجان من القهوة الذي أصبح كبيري يحبها، علينا دائماً أن نحيا مع أبنائنا على تلك الشعرات الفاصلة بين الشيئ ونقيضه؛ حتى تمر تلك السنوات بسلامٍ لنراهم رجالاً يقفون سنداً لنا، وتذكر أن لكل فعل في الحياة مردوده، فأفعل معهم ما ترضى بمردوده، فأقوياء اليوم هم ضعفاء الغد، وأطفال اليوم هم رجال الغد، فكونوا عوناً لأبنائكم على بركم.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق