سياسة وتاريخ

“أمسوس” عاصمة مصر قبل الطوفان

 تلك المدينة التي كما ينقلها المؤرخون والرحالة العرب لنا بأنها أولى عواصم مصر قبل طوفان نوح -عليه السلام-، فيقول عنها ابن إياس فى كتابه “بدائع الزهور فى وقائع الدهور”: “أول مدينةٍ عرف اسمها بأرض مصر مدينة أمسوس وكانت غرب الأهرام، يسكنها ملوك الجبابرة، فلما جاء الطوفان محا رسمها وأنسى اسمها”.

أما تقي الدين المقريزي في كتابه “الخطط المقريزية” يقول عنها: “أول مدينةٍ عرف اسمها فى أرض مصر مدينة أمسوس، وقد محا الطوفان رسمها، ولها أخبار معروفة، وبها كان ملك مصر قبل الطوفان”.

ومن الكلام السابق نلاحظ اتفاق ابن إياس والمقريزي على وجود هذه المدينة في مصر قبل حدوث الطوفان، وأن الطوفان كان سببًا في دمارها، وهذا إن سلمنا بعالمية طوفان نوح -عليه السلام-، وأنه لم يكن محليًا فى جزءٍ محددٍ من الأرض.

أما عن أساطير وأعاجيب هذه المدينة الغامضة فنجد فى ذلك الكثير، فعلى سبيل المثال نجد أن المقريزي بكتابه “الخطط المقريزية” في بابٍ ذكر مدينة أمسوس يقول عن أعاجيبها ما لا يتخيله العقل: “ونقراوش هو الذي بنى مدينة أمسوس، وعمل بها عجائب كثيرةٍ، منها طائر يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرتين وعند غروبها مرتين، فيستدلون بصفيره على ما يكون من الحوادث حتى يتهيؤوا لها، ومنها صنم من حجرٍ أسودٍ في وسط المدينة تجاهه صنم مثله، اذا دخل سارقٌ المدينة لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه حتى يؤخذ، وعمل صورةً من نحاسٍ على منار عال لا يزال عليها سحاب يطلع، فكل من استمطرها أمطرت عليه ما شاء، وعمل على حد البلاد أصنامًا من نحاس مجوفة وملاها كبريتاً، ووكل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهِها نارًا أحرقته، وعمل فوق جبل بطرس منارًا يفور بالماء ويسقي ما حوله من المزارع، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطوفان”.

ويسهب المقريزي في وصف الكثير من عجائب مدينة أمسوس التي تحمل الطابع الأسطوري، ولم يكن المقريزي فقط هو من ذكر أعاجيب وأساطير هذه المدينة الغامضة، فنجد أن ابن إياس ذكر عن هذه المدينة نفس ما قال المقريزي عن هذه المدينة، فنجده يقول أيضًا: “كان بها طائر من نحاس على أسطوانة من نحاس أخضر، يصفر كل يومٍ عند طلوع الشمس وعند غروبها مرتين، فيستدلون بتصفيره على ما يكون من الحوادث فى ذلك اليوم، فيتهيئون لها، وعمل صنم من حجر أسود فى وسط المدينة وتجاهه صنم مثله، إذا دخل المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا سلك أطبقا عليه فيوخذ باليد” ومن الملاحظ تطابق روايتى المقريزي وابن إياس عن هذه المدينة.

كذلك يذكر ابن اياس عجائب أخرى لهذه المدينة، والتي منها على سبيل المثال ما قام به ملك يسمى لوجيم: “ومنها أنه عمل طلسمًا للريح، فكانت المراكب المقلعة إذا وصلت إليه تقف ولا تسير، حتى يجعلوا له على كل مركبٍ ضريبةً معلومةً حتى يطلق لهم الريح من الجو، واستمر في الملك حتى هلك”.

ومن الملاحظ في أساطير هذه المدينة الغامضة أنها خيالية لدرجةٍ مبالغ فيها، فكيف لطائر على سبيل المثال الذى ذكره المقريزي وابن إياس أن يصفر بالشروق والغروب، ويعلم أهل المدينة أمور غيبية ستحدث في اليوم التالي، ولذلك فأنا أعتقد أن ما ذكر ما هو إلا وحيٌ من الخيال، إن كانت هذه المدينة كانت موجودةً من الأصل، لإننا إذا سلمنا بمحلية طوفان نوح وعدم اشتماله على اليابس كله، فإننا سنكذب محو هذه المدينة بسبب طوفان نوح -عليه السلام-، فبعض الأقاويل للكثير من المؤرخين والرحالة العرب تؤكد محلية طوفان نوح، حيث نجد أن ابن خلدون فى كتابه “تاريخ ابن خلدون” يقول فى ذلك: “واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط”.

كذلك البيروني يقول: “لم يعم العمران كله ولم يغرق فيه إلا أمم قليلة”.

من خلال ذلك يتضح لنا إمكانية عدم وصول الطوفان إلى أرض مصر وتدميرها، حيث أن آثار المصريين القدماء لم يوجد بها ما يدل على تدمير الطوفان لأرض مصر، وبالتالي عدم محو الطوفان لمدينة أمسوس من الأساس، مما يجعلني أظن أن هذه المدينة من الممكن أن تكون شيئاً من وحي الخيال.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد محمود حنفي

باحث حر في التاريخ المصرى مؤلف كتاب ايام المحروسة لى العديد من المقالات التدوينية فى مجال البحث التاريخى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق