أخبار الإقتصاد

أمريكا والصين … وكارثة مرتقبة لتسوية المنازعات بمنظمة التجارة العالمية

لا أحد ينكر دور منظمة التجارة العالمية WTO في إدارتها للنظام العالمي للتجارة… فهي الأداة الكبرى المهيمنة والمسيطرة على التجارة بين الدول الأعضاء (164 دولة).

ولكن حينما يقف مصير الاقتصاد العالمي ومستقبله أمام صراع الكبار… صراع أكبر الدول قوة واقتصادا في العالم ويتعلق الأمر بحرب ندية بين الكبيرين (أمريكا و الصين) فإن ذلك ينبيء بلا شك عن كارثة محتملة تهدد مسار الإصلاح الاقتصادي العالمي.
أساس المشكلة.

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية قيودا وإجراءات حماية على صادرات الصين إليها من منتجات الألومنيوم، وقد جاءت تلك الإجراءات على خلاف الإجراءات المتبعة تقليديا طبقا لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية وهو ما استدعى استفزاز الصين بفرض إجراءات ندية مشابهة.

لم يقف الأمر عند ذلك ولكن جعل الكبيرين يدخلا صراعا نديا في اختيارهما لأعضاء جهاز تسوية المنازعات بالمنظمة، فكلما اختار احدهما عضوا استغل الأخر حق النقض أو السحب في اختيار قضاة هيئة الاستئناف ليعطل تشكيل الجهاز المنوط به التحكيم وفض المنازعات وتسويتها بين دول العالم.

والسؤال الآن … ما المعوقات التي يواجهها الاقتصاد العالمي في ظل غياب المنظمة او بالأحرى جهاز تسوية المنازعات بالمنظمة؟

وفي غياب التوافق في الآراء في منظمة التجارة، هل تمثل الاتفاقات المتعددة المجالات سبيلا للمضي قدما في التجارة الدولية؟

حقيقة أن هناك حربا تجارية كبيرة، ولا يوجد اتفاق دُوَليّ يمنع الحرب، لكن لا توجد حرب تستمر إلى الأبد، هناك أمثلة جيدة جدا على السلام الذي أعقب ذلك الذي أسهم في تعزيز النظام التجاري الدَّوْليّ. ولا ينبغي أن نبخس من قيمة هذا الاحتمال في الوقت الحاضر.

في وقت يزداد فيه الاعتقاد الشعبي وبطء النمو الاقتصادي العالمي، تزداد أهمية منظمة التجارة وتعريف الشعبية هو الاعتقاد بأنه أيا كانت النظم الموجودة فإنها لا تفي بوعدها.

لكن الحقيقة أن منظمة التجارة تفي بالفعل، وقواعدها توفر الإنصاف. حتى على مستوى الفرد، وفي إطار النظام التجاري المتعدد الأطراف، لا توجد تحديات هيكلية مستعصية على الحل. الأهم من ذلك، أن الأعضاء منخرطون بعمق في البحث عن حلول للقضايا القديمة والناشئة على حد سواء.

إن طبيعة عملي يتعلق وبشكل وثيق الصلة بعمل منظمة التجارة العالمية وأرى أن غيابها وإن كان يمكن التغلب على بعض مشاكله، إلا أنه يعطل بعض برامج الإصلاح الاقتصادي و يؤدي الى بطء النمو الاقتصادي العالمي من خلال ما يلي:

  • تباطؤ في تسوية المنازعات التجارية نظرا لغياب هيئة الاستئناف.
  • جدل واسع بشأن تطبيق الاتفاقات الثنائية والإقليمية وخاصة بين أمريكا والصين والاتحاد الأوروبي.
  • دخول الدول النامية فى مشاكل جمة بسبب غياب الجهاز المنوط به حماية الدول النامية والأفل نموا.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، وبمناسبة ذكر الدول النامية ضمن المعوقات، فإن الأمر زاد تعقيدا بعدما فتحت ملفات و أسئلة قديمة تتعلق بالتصنيف الغريب لمسمى( الدولة النامية) في منظمة التجارة العالمية.

ليس الأمر سهلا… فإن إدراج الدولة تحت مسمى “دولة نامية” يعني أنها تتمتع بحقوق ومزايا معينة عن غيرها من الدول في نظام التجارة العالمي.

مشكلة تصنيف الدول النامية

إن غياب تعريف متفق عليه بين الدول الأعضاء لماهية الدول المتقدمة والنامية في منظمة التجارة العالمية، وترك الأمر بيد كل دولة على حدة لتحديد وضعها كدولة متقدمة أو نامية، يدفع بعض الدول إلى وصف أنفسهم بدول نامية والحصول على معاملة تفضيلية خاصة.

تخيل أن بلدا مثل كوريا الجنوبية والصين كذلك يعد وفقا لمنظمة التجارة العالمية بلدا ناميا، وهذا كان وضع كوريا الجنوبية بالفعل في سبعينيات القرن الماضي، ووفقا للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية (الجات)، ولم تأخذ المنظمة التحولات الضخمة في الاقتصاد الكوري الجنوبي، وظلت تعدها بلدا ناميا، يضاف إلى ذلك مشكلات من نوع آخر أبرزها الحاجة الماسة إلى مزيد من الشفافية الداخلية.

وهذا ما دعا بعض الدول الى إثارة تلك المشكلة بجانب المشكلة والأزمة الأساسية التي مرت بها المنظمة خلال الربع الأخير من عام 2020 وهو ما يدعو إلى الحاجة الماسة إلى نظام جديد لترقية البلدان من مرتبة البلدان النامية إلى حالة البلدان المتقدمة، مع درجة معينة من الامتيازات للبلدان التي تظل بلدانا نامية.

فالعملية التطوعية من قبل البلدان المتقدمة، التي لا تزل توصف بأنها نامية، بإعفاء نفسها أو التنازل عن وضعها كدولة نامية على غرار ما قامت به البرازيل، مقابل دعم الولايات المتحدة لعضوية البرازيل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
تلك المشكلة على أهميتها لا تعد المشكلة الوحيدة، بل يعتقد بعض الخبراء أن الفترة المقبلة ستشهد تصاعدا لمشكلة أكثر حدة وعدوانية بين البلدان الأعضاء خاصة بين البلدان المتقدمة وبعضها بعضا.

الحلول تواجه التحديات

لذا لابد من إنشاء نص بالنظام الأساسي لعمل المنظمة يحدد طريقة اختيار الأعضاء بشكل اكثر مرونة وكذلك استحداث نص يحدد تصنيف الدول النامية والمتقدمة حتى لا يتعرض الاقتصاد العالمي لكوارث متكررة وان كان ذلك سيواجه تحديات لا يمكن تصورها في هذا الشأن.

محمود الفزاري

محقق سياسات دولية بوزارة التجارة الخارجية . باحث اقتصادي سابقا بنقطة التجارة الدولية. شاركت في اجتماعات تسوية المنازعات بمنظمة التجارة العالمية WTO بسويسرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى