سياسة و تاريخ

أكذوبة مصر أم الدنيا (2)

خبر تصدر الجرائد اليومية، شدني لوهلة، وأدخل عقلي في مقارنات عدة بين بلدي التي امتلكت حضارة العالم قديما، وإنارته بفكرها الخالد ومبدعيها الذين أنتجوا كتبا أضاءت المسكونة، وما آلت إليه الآن، وبين الدولة الشقيقة الإمارات العربية المتحدة.

والخبر هو أن ولي عهد الإمارات قيم المنظمات الحكومية طبقا للرضا الوظيفي، فوجد أغلب المنشآت الحكومية راضية عنها الناس بنسب مرتفعة، أما من وجد نسبتهم منخفضة أعطاهم مهلة لتعديل أنفسهم للحصول على الرضا الوظيفي، أما نحن لا أحد راضي عن عمله سواء في الحكومة أو القطاع الخاص، ففي الحكومة إذا أجبرتك الظروف على دخول منشاة حكومية، فعليك الانتظار، تحت شعار “السيستم” واقع يا “بيه”، وتجد الناس مكتظة في انتظار عودة السيستم، يتضرعون إلى الله أن ينفخ فيه ويقومه بالسلامة لقضاء مصالحهم البسيطة بدلا من العودة كل يوم من أجل قضاء نفس المصلحة، وكان وقت المواطن بلا ثمن يذكر، حتى يمل المواطن من نفسه، وربما يأخذ قرار بالا يقضي هذه المصلحة، أو يذهب إلى “مخلصاتي” المكان، فهو يحمل العلاقات الطيبة مع جميع الموظفين، أو ربما يقسمون الرشوة معا، ثم تقضى المهمة بسلاسة، لكن يظل المواطن ينبه ضميره على هذه الرشوة؛ رغم أنه مجبر على ذلك.

ومن هنا تتضح نسب الرضا الوظيفي، فالجميع ناقم على الوضع، رغم عدم توافر هذا الفرص لغيره، لأنه التحق بها لأن قريبه فلان، أو واسطة علان، فلا يدري كم معاناة الشباب الذي لا يحملون الواسطة، وواثق أنه لا جزاء سيتعقبه مهما فعل من أخطاء، لأنه مسنود بالواسطة وماشابه ذلك.

وغياب الثواب والعقاب، أدى إلى هذا الانحدار في مستوى الخدمات، وارتفعت نسب الفساد الحكومي إلى معدلات غير مسبوقة، فقضت على آمال أغلب الشعب البائس، مما أدى إلى تمادي الفاسدين، لدرجة أنهم يقولون ذلك جهرا، فأتذكر تصريح لوزير عدل سابق، مفاده أن القضاة، يجب أن يكونوا من الطبقة العليا، وضرب مثل بكيف يصبح ابن عامل قاضي، وكأن ابن العامل عليه أن يجتهد ويتعب، وفي النهاية يعمل أقل فئة من الآخريين، لا لشيء إلا لأنه ابن عامل، ورغم استقالة هذا الوزير، إلا أنه صرح بما يحدث فعلا، فلا وصول لإدراج الحكومة، إلا بالطرق الفاسدة.

أما القطاع الخاص، فحدث ولا حرج، شيئ تنفر منه الغربان، فمعظم القطاع الخاص، ليس له ضابط ولا رابط، وكل قوانين الدولة حبر على ورق، فليس للموظف الحق في راتب يكفي قوت يومه، تحت شعار البطالة، و “هو حد لاقي،” والحكومة سواء تدري أو لا تدري، فهذا إثم عظيم، باستثناء الشركات العالمية الكبرى التي تتعامل على أساس الكفاءة وليس الواسطة؛ وبناء على ذلك تدخل إلى منشأة حكومية أو خاصة، تجد أغلب الوجوه عابسة، فهي تعمل للحصول على الفتات، مما يودي إلى عدم رضا المواطن الذي يحصل أيضا على الفتات.

لذا إذا أردنا حل المشكلة علينا اتباع الخطوات التالية: سن قوانين تنفذ على القطاع الخاص، فليس المهم فقط جذب الاستثمارات، بل مهم أيضا الاستثمار في البشر ليحصلوا على الرضا الوظيفي، لتعود مصر إلى هيبتها، فلن نتقدم، إلا إذا بدأنا في تعيين أهل الكفاءة في سائر الوظائف، وأبعدنا أهل الثقة، وإلا سنظل قابعين في الدرك السفلي.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق