أسلوب حياة

أكذوبة التوزيع النمطي للأدوار بين الجنسين وضرورة تغيير قوانين الأسرة

في مجتمعات العالم الثالث تقوم العلاقات الزوجية على التوزيع النمطي للأدوار بين الجنسين تحت منطق ذكوري متخلف يفرض واجب طاعة المرأة لزوجها، والكثير من النصوص التشريعية اليوم فيما يتعلق بحقوق النساء في إطار الزواج والمقتضيات المتعلقة بالإرث في أغلب هذه الدول مازالت تكرس مفهوم قوامة وتفوق الرجل على المرأة، ضدًا على المعايير الكونية لحقوق الإنسان التي تؤكد على مبدأ المساواة وحظر مختلف أشكال التمييز التي تطال المرأة حتى داخل مؤسسة الزواج.

ويرجع مفهوم تفوق الرجل على المرأة لمجموعة من الصور النمطية التي ترسخت عبر تاريخ طويل من الهيمنة الذكورية باسم الدين أو العادات الثقافية والتي تختزل الرجال والنساء في أدوار وأوضاع محددة بحكم الفروق البيولوجية بين الجنسين. فأعطت الرجل دور “رب الأسرة” والذي ينفق عليها والآمر والناهي داخل الأسرة، في حين يقتصر دور المرأة على أعمال المنزل والإنجاب وطاعة الزوج وقد تحرم من حقها في العمل والتنقل وو… وهو الوضع الذي أدى إلى التطبيع مع ممارسات ضارة تجاه المرأة وانتهاكات صارخة لحقوقها الأساسية خصوصًا ما يتعلق بتفشي ظاهرة العنف ضد النساء داخل الأسرة.

الكثير من الدراسات بحثت موضوع توزيع الأدوار التاريخية بين الجنسين، وخلصت إلى أن ما يمكن اعتباره طبيعيًا في توزيع الأدوار بين الجنسين لا وجود له إطلاقًا. كما أن الكثير من الوقائع حتى داخل المجتمعات البدائية تؤكد ذلك.
ففي قبيلة نادوري بغينيا بيساو مثلًا يحق للمرأة الزواج بأكثر من رجل من دون تحديد، ولا يمنح ذلك الحق للرجل، وتقوم المرأة بإسكان أزواجها في أكواخ متجاورة، في حين تتكفل المرأة بإدارة شؤون الأسرة وتدبير نفقات المعيشة.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي توصلت “مارغريت ميد” وهي عالمة أنتروبولوجية أمريكية إلى أن التوزيع النمطي للأدوار بين الجنسين هو أكبر أكذوبة. ففي معاشرتها لجماعات قبلية قديمة في أفريقيا خلصت إلى أن فكرة الاختلاف بين الرجل والمرأة لا تدور في خلد هذه القبائل. فالآباء في القبيلة التي تسمى “الأرابيش” تمامًا مثل الأمهات يتشاركون معًا كل التفاصيل المتعبة في تربية الأطفال بما في ذلك التخلص من فضلات الرضيع.

وفي القبيلة الثانية التي زارتها وهي قبيلة «مندوجومور»، خلصت إلى نفس النتيجة وهي التماثل بين شخصيات الرجال والنساء، لكن عكس القبيلة الأولى تنطوي شخصيات الرجال والنساء معًا في قبيلة «مندوجومور» على القسوة و السلوكات العدوانية، وبالتالي يتضايقون معًا من تربية الأطفال وينتابهم الملل منها. أما في القبيلة الثالثة واسمها «تشامبولي»، اكتشفت الباحثة الأمريكية تعارضًا كبيرًا واختلافًا بينًا بين شخصيات الرجال والنساء، فالمرأة في هذه القبيلة هي الطرف السائد وهي الأمرة الناهية، أما الرجل فهو الأقل إحساسًا بالمسؤولية.

والكثير من الوقائع اليوم تؤكد تفوقًا واضحًا للنساء، فالكثير من النساء اليوم يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن والإنفاق عليها، والكثير من النساء يتحملن مناصب مسؤولية في بلدانهن، بل ويقدن دول عظمى ويتخذن القرارات في قضايا دولية حساسة. في كل ذلك أثبتن في الكثير من الأحيان تفوقا كبيرا على الرجال.
ويمكن القول أن الكثير من حالات العنف الزوجي ضد النساء في كثير من بلدان العالم الثالث يتم تبريرها بمنطق قوامة وتفوق الرجل على المرأة، والكثير من الانتهاكات لحقوق المرأة يتم تبريرها كذلك بنفس المنطق. وهو ما يقتضي انكبابًا جديا على تغيير مجموعة من النصوص القانونية التي تكرس هذا الواقع، ويقتضي الأمر كذلك تطهيرًا للمناهج التعليمية والبرامج الإعلامية من كل المضامين التي تكرس التوزيع النمطي للأدوار بين الجنسين . أما المجتمع المدني فهو مطالب بتربية المجتمع على المساواة ونبذ التمييز وهي معركة نبيلة تتطلب مجهودًا ومقاومة ونفسًا نضاليًا طويلًا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

يحيى الوزكاني

باحث في قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق