مدونات

أفكار عن معضلة التخلي والتشبث!

ماذا لو قررت ألا أتخلى عنك، اخترت أن أقاتل من أجل الاحتفاظ بك، ماذا أكون حينها، مضحيا أم أنانيا؟

بالطبع قد تندهش من سؤال مثل هذا، لأن الإجابة الشائعة له قد حسمت منذ أمد، “من سيحبك، بالضرورة سيبذل كل ما في وسعه لكي يتمسك بك، لكي لا يفلتك” وهذا بالظبط تقريبا ما تقوله “نورا روبرتس” مع فارق إضافتها ” حتى لو كان هناك مائة سببا لكي يفعل ذلك، سيجد هو حينها سببا واحدا لكي لا يفعله”، ليس “روبرتس” وحدها من أيدت هذا المبدأ، بل غيرها كثيرون، بالطبع، هذا هو التصور المعتاد، والذي لا يخلو من منطقية أيضا، وهو الذي يمتد ليشمل مفهوم المعافرة بأكمله، السعي لنيل الهدف، أي أن كانت هويته، حبا، حلما، أو شفاءا من سقم.

ولكن ماذا عن الوجه الآخر للمعافرة؟

نعم، ثمة وجه آخر للمعافرة، أو بالأحرى “وجوه”، ففي الحب مثلا قد تكون معافرتك تملك، أو تعلق، فهي ليست بمحض حب، وإنما رغبة خبيثة في السيطرة نابعة من الشعور بالنقص، هذا في حالة التملك، أو فيض بائس من الحرمان والخوف، هذا في حالة التعلق!

إيكهارت تول يقول “كيف نستطيع التخلي عن التعلق بالأشياء؟ لا تحاول ذلك، فالأمر مستحيل. التعلق بالأشياء ينتهي تدريجيا، عندما نشعر أنها لم تعد تناسبنا بعد الآن” هذه الوصاية بالطبع، تشير بوضوح إلى أن عدم التخلي هنا لا نية بريئة فيه، بل فعل غير نزيه لا يعود بالنفع إلا على صاحبه، ولا يرتبط بأي غاية لها علاقة بالشخص أو الشيء الذي يتم التمسك به.

في يوم ما، حكت لي صديقة عن عشيقها، وصفت كم كان مهملا، قاسيا معها، وقد كنت عرفت هذا مسبقا، قبل أن تقصه علي، لأنني كنت ألتقيهما كثيرا، في بيتهما، أو في الأماكن العامة، وقد لاحظت كم كان يتعامل مع أشيائه الخاصة بلا مبالاة، قد يذكر مرة أن هذه الكاميرا قد ابتاعها بالآلاف الغالية من الجنيهات، وإذ به الآن يهبدها بطفولة على الطاولة دون عناء، وفي مرة أخرى يؤكد أن هذا القميص الذي يرتديه واحدا من أحب قمصانه إلى قلبه، وسرعان ما أراه بعدها بفترة وجيزة يرتدي إياه في المنزل، ولا يمانع أبدا في تلطيخه بشحم الطعام، وذرات التراب الناتجة عن مهمة تنظيف عاجلة!

كنت أعرف أن هذا الرجل لا يعتني بالأشياء التي يحبها، يحب فيها نفسه أكثر، وبالتالي لا يحرص عليها، وإنما يحرص على أن يطوعها لخدمته، حتى وإن كان الثمن هو فنائها، فلا هم يحمله في قلبه إزاء تشويهها، أو حتى مفارقتها، وإنما همه الحقيقي يكمن في عدم تلبية مطالبه الآنية منها بأي شكل، حتى ولو من خلال الطريقة التي تسئ لها. فكيف لرجل كهذا أن يحافظ علي حبيبته، ويحول بينها وبين مشاعر النبذ!

كنت أنتهج هذا النوع من الفكر، أقدر من ينتمون إلى أشيائهم، وأرى فيهم محبين حقيقيين، إلى فترة قريبة، بدأت تتداعى أمامي فيها القيم الجليلة للتشبث، في مقابل تلك الأوجه القبيحة للتخلي!

في رواية “نادي القتال” ل “تشانك بولانيك” يهتم البطل باقتناء أثاث أنيق لبيته، يحرص عليه ويحبه، ويواليه العناية اللازمة، ولكنه في دخيلة نفسه، يرفض ذلك، بل و يستغيث من أعماقه بصديقه المتمرد لكي يثنيه عن هذا، فيقول “انقذني يا تايلر من أن أكون مكتملا أو متقنا”، بل وينهره هذا الصديق ذات مرة حينما يضبطه وهو يعبر عن حبه لأريكته المريحة، فيعيب عليه “إذا، الأشياء التي امتلكتها باتت الآن تمتلكك”، زاعما أن مثل هذه المشاعر قد تقف في طريق حرية المرء، ما إن لديك شيئا لتخسره فأنت بالتأكيد ليس حرا!

بالطبع، إنها الفكرة النقيضة لما أعتنقه وأؤمن به، إذا، أيهما أرقى .. أن تدين بالوفاء والحرص على ما تحب، أم لا تبالى به، ولا تمانع خسارته بسهولة؟ أي الخيارين يجعلك أثمن إنسانيا التشبث أم التخلي؟

وإن فرضنا أن كلمات بطل رواية “بولانيك” لا يعتد بها، فهو مريض بالفصام، ويسعي بشدة لتدمير ذاته، فماذا يسعنا التصرف أمام قول جبران ” بدأت أستوعب الآن أن سعادتي تكمن في التخلي عن المزيد، لا الحصول على المزيد”، بل ومقولة سيوران “إن القدرة على التخلي هي المقياس الوحيد للارتقاء الروحي، حين نغادر الأشياء وليس حين تغادرنا، نرتقي إلى العري الباطني، تلك المنطقة القصوى، حين نفقد كل خيط بالعالم، وبأنفسنا، حيث النصر يعني الاعتزال والتنحي، بسكينة ودون حسرة”.

هل أدركت حيرتي الآن، النظريتين متعارضتين للغاية، ورغم ذلك يتسابقان للحظو بالسمو، والحقيقة أن لكل منهما وجهة نظر، فبرغم ميلي لمعتنقي الذي كان، إلا أنني حينما أتخيل أنني لست مجبرة على بذل مجهود للاحتفاظ بأي شيء، بأنني لم أعد خائفة بعد الآن على الأشياء التي أحبها، أكاد أشعر بتلك السعادة التي يتحدث عنها “جبران”، وتراودني هذه الحفة الممتزجة بحرية ما، تلك الحرية التي وصفها “بولانيك”!

ولكن، هل سيظل حينها للحياة أي معنى؟

أي ارتقاء هذا الذي يكمن في اللاشيء؟ هل للزهد قيمة حقة لا ندركها لأننا لم نختبرها يوما؟

ما أظنه، وأعتقد أنه يحرض بما فيه الكفاية على الضحك، أن حتى هذا المستوى ذاته من الزهد الذي نجهله، سيولد من بعده حرصا آخر يحملنا لأن نحيا من أجله، فحتى حينما وصل بطل “بولانيك” إلى الحضيض، وخسر كل شيء يملكه، وبات يمارس جنونه بعشوائية بغرض المتعة وكفى، خلق بغير إرادة منه ما يسمى ب”ناي القتال”، وبقى زعيما رغم عن أنفه لمجموعة مختلة من الرجال قد وجدت خلاصها الروحاني في التشاجر بدموية، جماعات أخذت تتنامى بتوسع جبار على امتداد مدن الولايات المتحدة الأمريكية، وبات بطل بولانيك مهددا بمطاردات الأمن لتلك المجموعات، وبدلا من قوله الدائم “نحن رجال ليس لدينا شيئا نخسره”، صار يقول “نحن رجال ليس لدينا شيئا نخسره سوى نادي القتال”!

الدائرة مفرغة حتما، والحياة ليست في صف العدم، فمعنى أن تغالي في ارتقائك، أي إنك تكسب المزيد من نفسك، تنحاز إليها، وتوثق صلتك بها، إذا، فأنت لديك الكثير لتخسره، وبالتالي الكثير لكي تعافر من أجله وتتشبث به.
إذا، فهل التخلي سيؤدي لمزيد من التشبث؟!

يا إلهي، إنها متاهة إفعوانية!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

إسراء إمام

قاصة وناقدة سينمائية وفنية، سبق لها الكتابة في جريدة القاهرة، جريدة القدس العربي، جريدة الحياة اللندنية. حاليا تكتب في عدد من المواقع والمطبوعات، منها موقع الجزيرة الوثائقية، مجلة عالم الكتاب، مجلة فنون، مجلة ميريت، مجلة الثقافة الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى