مدونات

أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.. هذا واقع الاحتلال

يقول تعالى في سورة النمل اية 34 ((قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ))، ملكة سبأ تتفاجأ برسالة تلقى أليها من نبي الله سليمان عليه السلام، وهو يأمرهم بأن يخضعوا لحكم الله وألا يتعالوا عليه، وعندما عرضت الأمر على قومها أشاروا عليها بالمواجهة العسكرية، ولكن ملكة سبأ كان لها رأي آخر، حيث أنها بينت أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وواقع الاحتلال هذا قد أيده الله تعالى في نهاية الآية الكريمة بقوله ((وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)).

الملوك، يمتلكون رغبة بمختلف مسمياتهم الأخرى، امبراطور، قائد، خان، قيصر، سلطان، شاه، زعيم، وغيرها من الألقاب التي يجتمع حاملوها برغبة في التوسع المستمر، وهذا التوسع يعني ضم أكبر مساحة من الأرض الى مملكة حكمهم، ولا يكون ذلك الا من خلال فرض القوة بالصور الدبلوماسية وعقد الاتفاقيات، او تبديل حكام تلك الأراضي بآخرين موالين لهم، او بزرع الفتنة بين أهلها، أو التدخل العسكري الصريح والواضح.

ما أن يدخل أي بلد تحت الاحتلال حتى تظهر بوادر الإفساد واضحة في تصرفات المحتل، وهذا شيء طبيعي كون المحتل لا يرى في أبناء البلد الذي فرض سيطرته عليه أي حق في ثرواته، بل يراهم دونه في المستوى، ويجعلهم بمنزلة العبيد، ولا قيمة حقيقية لهم، ومن اجل التنكيل بأبناء البلد فلا بد له ان يجعل القيادات الحاكمة هي من جنس اراذل القوم، ليرفعهم الى سلم الحكم، ويطيح بالأعزة وأصحاب المبادئ والقيم، وهذا السلوك فيه حكمة من خلالها سيفسدون واقع حال البلد المحتل، ويجعلوه ينهار ويدمر بأيدي أبنائه.

ماذا تنتظر من شخص بلا قيم ولا أخلاق وبلا ثقافة، وفاقد لجميع مقومات الإنسان الخلوق؟ فهل تنتظر منه أن أوصلته أيدي المحتل إلى السلطة ان يحترم من هو أفضل منه؟ بالطبع لا، لأنه يرى حجمه الحقيقي امام تلك القامات، ويرى كم هو قزم وحقير، لهذا سيتعامل معهم بجميع ألوان التحقير والتنكيل والاستصغار، وسيسلبهم كل ما هو عزيز عليهم حتى يراهم في موضعين حينها سيشعر بالسعادة، اولاهما ان يراهم يستجدون الناس ويتملقون لهم من الخشية او العوز، وثانيهما ان يراهم وهم يستسلمون للهوان ويبيعوا قيمهم واخلاقهم.

أيًا ما كنت وفي أي بلد، انظر إلى الحاكم وكيف يتعامل مع اهل بلده، وابحث عن أجهزته القمعية العلنية او المخفية، وستجد كيف يعاقب من يقف بوجههم بالفكرة او الفعل، فلا تخلو بلد من مظاهر التعذيب والقمع، فستجد فيها السجون وستجد السجانين يتمتعون بمناظر الدم والصراخ والالم الذي ينال من السجناء البؤساء الفقراء المستضعفين، وهذه السجون وتسريبات الاخبار والصور والمقاطع المرئية انما هي رسالة من قيادات تلك الأنظمة الذليلة والتي اعزها المحتل الى الشعب الواعي والمثقف، حيث التعذيب هو المصير المحتوم ان لم تكن التصفية للشخص ولعائلته وأصدقائه وأقاربه.

ورغم تطور وسائل التعذيب عما كانت عليه في القرون المنصرمة، إلا أن مبدأ الاحتلال نفسه لم يتغير، تلك الأنظمة تحتاج الى نموذج بشري فاسد ومريض ومملوء بالعقد النفسية، وذليل وحقير وبلا مكانة اجتماعية، لتعطيه السلطة والقوة وتغض النظر عن تصرفاته السادية، وهنا سيكشر الضبع عن انيابه العفنة ليقطع لحم اخوته من أبناء بلده، وكل التعذيب الذي يقوم به سيرسم على شفتيه ضحكة صفراء مسمومة، ولكنه لن يشعر بالراحة والسعادة ابداً، وهذا ما يجعله يحاول ان يطور أساليب التعذيب بما يمتع به نفسه، وتاريخنا القديم والحديث فيه من الأمثلة التي يستغرب لها الانسان الطبيعي والسوي.

اقرأ أيضًا : ما هو التطبيع.. وكيف يستخدم تطبيع العلاقات من أجل تحقيق الحلم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق