ثقافة وفنون

أطلال إبراهيم ناجي تبحث عن “المُلهِمة”

تمتلئ الأرض بضحايا الحب، فالحياة كثيرًا ما صرعت العشاق بفراق المحبين، بعضهم استطاع حفر حبه في وجدان الجميع وبعضهم مات مقهورًا على فراق حبيبه.. وهنا تجسد الأطلال لقاء المحبين وفراق القدر لهم.

اختلفت الأقاويل حول بطلة قصيدة الأطلال نظرًا لتعدد قصص حب الشاعر والتي اتسم معظمها بالحب من طرف واحد، ولعل هذا هو ما جعل الشاعر يميل إلى الحب العذري في قصائده، لكن السؤال المطروح هنا من هي ملهمة الأطلال لناجي؟! من صاحبة أشهر القصائد الغنائية عن الحب والفراق؟!

لكن قبل التعرف على محبوبة الأطلال وجب علينا إلقاء نظرة عابرة على حياة مؤلف الأطلال في سطور قليلة، فشاعرنا من مواليد القاهرة نهايات القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1898 بحي شبرا بمدينة القاهرة، وكانت أسرته تعود جذورها الأولى لمحافظة الإسكندرية، كان والده عصاميًا يهوى الثقافة والعلم وحبه هذا دفعه لبناء مدينة الأحلام بحي شبرا هو ومجموعة من أصدقائه رغبة منهم للهدوء، فكانت بيئة خصبة لبناء الفكر والثقافة لناجي.

اطلع إبراهيم ناجي في صباه على مكتبة أبيه وما تحتويه من كتب ودواوين شعرية لكبار شعراء العربية، فتعلم علوم الشعر والموسيقى والعروض وتعرف على اللغات الأجنبية، وبفضل إتقانه للإنجليزية استطاع دراسة التفوق، فجمع بين الحسنيين الطب والشعر وأظهر فيهما نجاحًا باهرًا. وعندما سئل عن جمعه للطب والشعر قال “أزاول الطب كأنه فن وأكتب الأدب كأنه علم، أي أراعي فيه المنطق والتجديد والوضوح”. انضم إبراهيم ناجي إلى تيار الرومانسية العربية فكان من ضمن المؤسسين لمدرسة أبوللو الشعرية في مصر.

كتب ناجي قصائد شعرية كثيرة استطاع أصدقاؤه فيما بعد جمعها في ثلاثة دواوين، وتأتي قصيدة الأطلال كواحدة من أشهر قصائده لصدق معانيها ولكون قصة القصيدة تمس حياة الشاعر نفسه، وقد تعددت واختلفت المصادر حول بطلة الأطلال؛ تشير بعضها إلى الفنانة زوزو حمدي الحكيم كملهمة ناجي وبطلة قصته، فيذكر الصحفي محمد رجب في مقاله المنشور بمجلة أخبار الأدب بتاريخ 6/10/2012 أن زوزو حمدي الحكيم أخبرته بأنها هي بطلة قصيدة الأطلال التي غنتها أم كلثوم. تذكر زوزو حمدي الحكيم على لسان محمد رجب أن علاقتها بإبراهيم ناجي لم تكن متوطدة للحد الذي يسمح بإقامة علاقة غرامية بينهما وأنها اكتشفت حبه لها مصادفة عندما غنت أم كلثوم القصيدة.

أرجعت زوزو الحكيم قصة حب ناجي لها عندما كان يذهب إلى علاج أمها بالمنزل، عندما وجدت أبيات شعرية مكتوبة على روشتات خاصة بعلاج أمها، كُتب على أحدها..

“يا حبيبًا زرت يومًا.. أيكه

طائر الشوق مغني ألمي

لك إبطاء المذل المنعم

وتجني القادر المنعم”

تكمل زوزو حديثها.. “القصيدة كتبت معظمها على الأوراق الخاصة بعلاج أمي، وكان يتركها وسط أوراق الأدوية المراد صرفها لوالدتي، وكنت أظنها إلهامات أتته دون سابق إنذار فلم تجد أوراق الروشتة إلا أن تكون لها منفذًا، لكن عندما غنتها أم كلثوم تيقنت أنني كنت المرادة في هذه الأغنية”. تعددت روايات هذه القصيدة معظمها كانت مجهولة الصاحبة ولم يرد ذكر صاحبة للقصيدة إلا في هذه الرواية.

لكنني لا أميل لتصديق هذه الرواية لعدة أسباب؛ منها أن هذه الرواية لم تخرج إلا بعد وفاة إبراهيم ناجي وبعد غناء أم كلثوم لها، وهو ما أكسب القصيدة شهرة فوق شهرتها القديمة وجعل كل فنانة تطمح بأن تكون هي بطلة القصيدة، كما أن ظهور اسم زوزو كبطلة لهذه القصيدة يرفع من أسهمها في السينما وبخاصة أنها لم تكن ذات قدر عالٍ من الجمال.

ثانيًا أن “الروشتات” التي كتبت عليها القصيدة لم تظهر إلا بعد وفاة الفنانة زوزو حمدي، كما أن الصحفي محمد رجب لم يعرض تلك الروشتات في مقاله المنشور بمجلة أخبار الأدب وهو القائل في مقاله أنه كان على علاقة جيدة بالفنانة، فلماذا لم ترد صور الروشتات في مقاله كداعم لموضوعه؟! بل ظهرت منفردة في عدة صفحات مختصة بالشعر والأدب ونقلتها عنهم عدة مواقع إخبارية في ذكرى رحيله!! وبفرض أن هذه الروشتات المكتوب عليها القصيدة حقيقية فهذا لا يعني قصده بالقصيدة زوزو حمدي فربما كانت خواطر أتت إليه دون سابق إنذار فكانت الروشتات هي المسجل لتلك الخواطر ونحن نعرف أن للشعر خواطر تأتي دون أي تحذير فربما أتته تلك الخواطر وهو يعالج والدة زوزو حمدي .

وتشير المصادر التاريخية إلى كثرة علاقات إبراهيم ناجي الغرامية وأنها كانت مدادًا لمعظم قصائده، فهو ارتبط غراميًا بكثير من الفنانات والأديبات، كانت معظمها تعبر عن حب من طرف واحد، فلم يجد منفذًا لهذا الداء الذي ألم به غير الشعر فهو دواء كل عاشق وملهم كل كاتب، فالحب كالرياح يلمس كل قلب كما الرياح تلمس كل شجرة. فأحب الراقصة سامية جمال وكتب فيها قصيدة “بالله مالي ومالك” وأحب أمينة رزق وكتب فيها “نفرتيتي الجديدة” وكذلك قصيدة “وداع المريض” في زينب صدقي. فناجي كان يرى أن كل فتاة يوجد بها موطن من مواطن الحب مختلف عن غيرها ولعل هذا ما أوقعه في الحب من طرف واحد كثيرًا.

الجدير بالذكر أن معظم هذه القصائد عرف فيمن قيلت ولمن كتبها إبراهيم ناجي، فلماذا لم يذكر صاحبة الأطلال إذا كانت هي زوزو حمدي؟!

يشير الشاعر صالح جودت أقرب صديق إلى ناجي إلى كذب رواية الفنانة زوزو حمدي الحكيم حيث ذكرت بوابة الشروق مقالًا للشاعر حسن توفيق نشر في مجلة الهلال يذكر فيه حسن توفيق الرواية الحقيقية لبطلة الأطلال نقلًا عن صالح جودت، فيذكر أنها  فتاة لأحد جيران إبراهيم ناجي أحبها وهو لم يبلغ بعد سن السادسة عشر، ارتبط وتعلق فؤاده بها كتعلق الرضيع بأمه، غادر بعد ذلك البلاد ليدرس الطب وبعد عودته من الخارج اكتشف أنها تزوجت، وبمقدار صبابته كان الألم والحزن ولعل هذا ما يفسر تعدد علاقات الحب في حياته بعد ذلك واتسام معظمها بالفردية والجانب والواحد.

وفي إحدى الليالي استغاث به رجل يطلب منه الحضور لإنقاذ زوجته فهي ذات حالة ولادة متعسرة، ولبى ناجي دعوة الرجل وذهب معه، فوجدها مغطاة الوجه وحالتها حرجة للغاية مع صعوبة التنفس فأمر بكشف الغطاء فإذا به يجد محبوبته هي الراقدة على سرير الولادة، استطاع ناجي علاجها وخرج باكيًا من الغرفة ولم يعرف أحد سر بكائه.

كتب بعد هذه الحادثة قصيدته..

“أين مني مجلس أنت به   فتنة تمت سناء وسنى

وأنا حب وقلب هائم         وخيال حائر منك دنا

ومن الشوق رسول بيننا  ونديم قدم الكأس لنا”

ويذكر صالح جودت أن رفض ناجي ذكر اسم محبوبته راجع لوجود محبوبته في عصمة زوجها وبقائها على قيد الحياة، فهو خشى أن يتردد اسمها في الصحف مما سيجلب لها الكثير من المصائب والأزمات. ويؤكد الشاعر حسن توفيق على صدق هذه الواقعة وذلك في مقاله المنشور بمجلة الهلال عام 1977 بعنوان “جوانب مجهولة في حياة إبراهيم ناجي” حيث ذكر أنه سأل الشقيق الأصغر لإبراهيم ناجي وهو المهندس حسن ناجي عن مدى صدق الرواية التي ذكرها جودت فأكد له حسن صدق جودت وصدق روايته عن صاحبة الأطلال.

جدير بالذكر أيضًا أن هذه القصيدة غنتها أم كلثوم بعد وفاة الشاعر إبراهيم ناجي بعشر سنوات، فغنتها أول مرة عام 1963، لكن غناء أم كلثوم توقف قرابة العامين بعد خلاف دأب بين أم كلثوم ورياض السنباطي أدى إلى توقف عرض الأغنية حتى تدخل كبار المطربين والملحنين وقتها للصلح بينهما، وخضعت أم كلثوم في النهاية للحن السنباطي لتخرج لنا واحدة من أشهر الأغاني العربية عام 1965.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق