سياسة و تاريخ

أطفال الـ “كلاشينكوف”

أصبح اشتراك صغار السن في الحروب ظاهرة تهدد حياة أولئك الأطفال ومجتمعاتهم بالخطر، وهي ظاهرة لا تخص الدول النامية وحدها، حيث انتشرت في العديد من بلدان العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا، ولا يبدو الحل سهلاً أو مباشراً إلا أنه ليس بمستحيل.

فنجد في سيراليون مثلاً ستة آلاف طفل محارب تبقوا بعد انتهاء الحرب الأهلية، وتسرد فتاة شابة قصتها فتقول: “ساقني الثوريون مع سبعة وعشرين فرداً من عائلتي من قريتنا إلى الغابات، وهناك أصبحنا عبيداً لهم وتعرضنا لشتى ألوان التعذيب، فإذا ضحكوا كان علينا أن نضحك، وإذا غضبوا عاقبونا بأقسى الطرق الوحشية، وبعد عامين مات تسعة عشرة من أفراد أسرتي بينما نجحتُ في الهرب قبل أن ألقى نفس المصير”، وتضيف: “وقد أُجبر الأطفال من الجنسين على الدخول في وحدات صغار السن، وكُلّفوا بحمل البضائع المسروقة والذخيرة وكذلك الماء والطعام، وعلّمهم الثوار كيف يعاقبون ويقتلون زملاءهم إذا خالفوا الأوامر أو حاولوا الهرب”.

وتقدِّر الأمم المتحدة أن الأطفال دون الثامنة عشرة لهم دور فعال في الحروب والنزاعات على نطاق واسع، يمتد من غرب ووسط أفريقيا إلى البلقان وأمريكا اللاتينية وسريلانكا وأفغانستان، فعلى سبيل المثال؛ قدّر صندوق رعاية الطفولة التابع لهيئة الأمم المتحدة (اليونيسيف) أن في أوغندا حوالي ثمانية آلاف طفل اختطفهم المتمردون منذ عام 1995، بينما صرحت منظمة العفو الدولية أن هناك خمسة عشر ألف طفل في صفوف قوات الأمن الكولومبية، وأكدت منظمة أخرى أن ثلاثمائة ألف طفل يعملون جنوداً في أكثر من ستين دولة.

ولا شك أن هذه الظاهرة ليست بجديدة، فمنذ زمن طويل حمل الصبيان الأفارقة السلاح وشاركوا آباءهم في الدفاع عن قُراهم وقت الحرب، تماماً مثلما عاونوهم في الحقول ورعي الأغنام وقت السِّلم، وفي أمريكا اللاتينية قاد الباعة الجائلون من الأطفال الجيوش لتحرير أراضيهم، وحتى في أوروبا كان تجنيد الأطفال معروفاً، فنجد مثلاً أن خط دفاع برلين ضد الحلفاء في أواخر الحرب العالمية الثانية قد تألّف من ذوي الخمسة عشر ربيعاً.

الطاعة العمياء

ورغم عدم الاتفاق حول تعريف “الطفل” من حيث السن؛ هل هو أقل من الخامسة عشرة أم الثامنة عشرة؟ وكذلك حول تعريف “الجندي”، فليس كل جندي يحارب أو يعرض حياته للخطر، إلا أن هناك اتفاقاً أن الحروب الأهلية هي المستهلك الأكبر للأطفال، والذين كان تجنيدهم في الماضي يتم في حالة عدم كفاية أعداد المحاربين من البالغين.

أما الآن فهناك اتجاه بتجنيد الصغار أولاً، وأسباب ذلك عديدة، أولها أن نسبة صغار السن في دول العالم الثالث في تزايد مستمر بسبب الفقر والحروب وتأخر الرعاية الصحية، ففي جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية مثلاً، تبلغ نسبة من تقل أعمارهم عن الثمانية عشرة نصف عدد السكان، والسبب الثاني هو سهولة اجتذاب الأطفال وإقناعهم مقارنةً بالكبار، فالطفل في معظم أنحاء العالم هو طفل، يمكن إغراؤه ببندقية وبعض التدريب العسكري ليصبح عضواً في إحدى الميليشيات أو عصابات الشوارع.

وإذا لم يمكن إغواؤهم فمن السهل إجبارهم، وبعد الوصول بهم إلى مرحلة الأمان، يتحولون إلى محاربين من الطبقة الأولى؛ لا يهابون الموت أبداً، تحكمهم طاعة عمياء من فئة “لا أرى لا أسمع لا أتكلم”، ويحملون ولاءً عميقاً لأنهم لا يعرفون حياة سوى تلك الحياة، وحتى الأطفال في العاشرة يمكن تدريبهم على حمل أسلحة خفيفة وفتّاكة مثل بنادق M18 شبه الآلية، ويكونون أكثر استعداداً للقيام بالمهام الخطرة مثل نزع الألغام والتفجيرات الانتحارية والتسلل إلى القرى المراد مهاجمتها.

والسبب الأخير أن الأطفال جنود “قليلو التكلفة” فهم يحتاجون طعاماً أقل ومكاناً أصغر للمبيت، ويقبلون العمل بدون أجر، ولا يفكرون في العودة إلى زوجة أو أبناء.

أطفال مجرمون

أما عن الكوارث الناتجة عن تجنيد الأطفال، فهي مروعة على أقل تقدير، حيث صرح أحد ممثلي الأمم المتحدة أن أكثر من مليوني طفل لقوا حتفهم في النزاعات المسلحة منذ عام 1987، وأن ثلاثة أضعاف هذا الرقم أصيبوا إصاباتٍ خطيرةً أو صاروا من أصحاب العاهات.

وكما تزايدت الخسائر في المدنيين من 5% في الحرب العالمية الأولى و 48% في الثانية إلى 90% اليوم، فقد تضاعفت كذلك في الأطفال، فمنهم ضحايا الصواريخ طويلة المدى والحملات الجوية والمجازر الجماعية والألغام الأرضية والأَسر، وبالطبع فإن الخطر أشد في حالة المجندين منهم خاصة أثناء المعارك، كما أنهم يعذَّبون أو يُقتلون إذا ما ارتكبوا أخطاءًا، فإذا لم ينجح طفل في جيش المقاومة الأوغندي في دق جرس الإنذار عند هروب زميل له، فإن زملاءه يقومون بإعدامه، هذا بالإضافة إلى تفشّي الأمراض التناسلية وسوء التغذية والإدمان بينهم.

ولا يختلف اثنان أن آثار ذلك على المجتمع مفزعة بل وكارثية، فالطفل الذي تربّى على استخدام السلاح ولم يتعلم أي مهنة أو حرفة أخرى، يصعب تسريحه من الجيش وإدراجه في الحياة الطبيعية، وعندما تنتهي الحرب، يبقى هناك جيل من الأطفال لا يعرفون إلا ثقافة السلاح، ولا يستطيعون تركه من أيديهم.

التجنيد في القانون الدولي

وفي محاولة لحصر وحل المشكلة، اجتمع مائة من ممثلي الحكومات وأعضاء الأمم المتحدة في مونتفيديو عاصمة أوروغواي في يوليو 1998 في مؤتمر يعَد الثاني من أربعة مؤتمرات دولية بخصوص الأطفال المجندين، وصنّفوهم إلى ثلاثة أقسام؛ الأطفال المجندون رسمياً في الجيوش القومية، ثم المنضمون إلى مجموعات الدفاع المحلية كحراس القرى في الجزائر، وأخيراً هؤلاء الذين تختطفهم جماعات سياسية أو إجرامية وتضمهم إلى صفوفها.

والقسم الأول هو الأسهل في التعامل معه، فتجنيد طفل في الخامسة عشرة لا يخالف القانون الدولي في شيء، فمن ناحيةٍ تُحدد معاهدة الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989 -والتي وقّع عليها كل الأعضاء ما عدا أمريكا والصومال- سن الثامنة عشرة كنهاية لمرحلة الطفولة، وهي تحرّم تنفيذ عقوبة الإعدام على الأطفال وتمنحهم بعض الحماية، إلا أنها استثنت من ذلك سن التجنيد لتجعله خمس عشرة عاماً، ففي بريطانيا مثلاً تُجند البحرية المتسربين من التعليم عند سن الخامسة عشرة، أما الجيش فيمكنهم العمل به بدءًا من سن السابعة عشرة، وهو يضم عدة آلاف تحت الثامنة عشرة، وتدّعي الدول التي تتبع التجنيد في سن صغيرة أنه من الأفضل ضم الصبيان الذين لم يتموا تعليمهم إلى تدريب الجيش قبل أن ينحرفوا إلى حياة الجريمة.

واليوم تحظى حملة رفع سن التجنيد دولياً من خمسة عشرة إلى ثمانية عشرة عاماً بنشاط زائد. بالرغم من معارضة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، فمعظم الدول الأوربية تسعى لخفض أعداد قواتها المسلحة، وبالتالي فإن رفع سن التجنيد هو أقل الحلول ضرراً، وقد تبنّت العديد من الدول هذه السياسة وآخرها الدانمارك وجنوب أفريقيا وهولندا وبوروندي وكندا، أما الأمم المتحدة فترفض توظيف مَن هم أقل من الثامنة عشرة في قوات حفظ السلام الدولية التابعة لها.

مشكلات أكثر تعقيداً

وبالنسبة لمشكلة أطفال القسم الثاني فهي أصعب قليلاً، حيث أن الجهات التي كانت تجند الأطفال في يوغوسلافيا والجزائر وسيراليون لم تكن تحت سيطرة الحكومات، إلا أن تسريح الأطفال ممكن باستخدام بعض المغريات المادية، وكذلك بإظهار “العين الحمراء” عن طريق التهديد وفرض العقوبات، والنظر إلى تجنيد الأطفال على أنه من جرائم الحرب.

ويعَد أطفال الحروب الأهلية والجماعات السياسية والإرهابية في أحرج الأوضاع وأعقدها، فجيش المقاومة الأوغندي مثلاً كان يجند صغاراً تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والثالثة عشرة بشكل ممنهج، أما في دول أخرى، فقد يأتون بصغار في الثالثة ليضمنوا ولاءهم في المستقبل، ويعلمونهم فنون الحرب فور قدرتهم على المشي، وقد يبدو تهديد تلك الجماعات بعدم الاعتراف بها أو غيره “نفخاً في قربة مقطوعة”، إلا أن هناك استجابة من بعضها مثل جيش تحرير السودان الشعبي.

وقبل عام 1998 لم يطرأ هذا الموضوع في جدول أعمال مجلس الأمن، ولكن منذ ذلك العام ظهر في حيز المناقشة، واعتُبر مصير هؤلاء الأطفال عنصراً هاماً في مباحثات السلام في معظم أنحاء العالم، وهو أمر يدعو للتفاؤل بالوصول إلى حل وإن كان جزئياً.

ترجمة لمقال بعنوان “Kalashnikov kids” عن مجلة الإيكونومست

برجاء تقييم المقال

الوسوم

إسلام يوسف

أستاذ جامعي في اللغويات الإنجليزية، جامعة جنوب شرق النرويج
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق