سياسة وتاريخ

أصل الأمازيغ حسب دراسة هولندية وتاريخية مقارنة

غالبا ما كان المغرب محل أنظار كبار علماء التاريخ و الأركولوجيا العالميين، وفي هذا الصدد نجد دراسة تاريخية وأركولوجية، علمية لثلاثة علماء هولنديون إختزلوها في كتاب تحت عنوان “تاريخ المغرب”. أوردوا فيه تاريخ المغرب، مند مئات السنين قبل الميلاد إلى القرن الواحد و العشرين. أصل الأمازيغ

وسنسلط دراستنا من هذا الكتاب حول ما جاء فيه عن الأمازيغ و أصلهم المشرقي المندثر عبر مسار كرونولوجي تاريخي مع ذكر تشابه معلوماتي مع المؤرخين الأوائل.

حاول المؤلفون بداية توضيح وجهة نظرهم في تفضيل استعمال كلمة ’’بربر’’ بدلا من ’’الأمازيغ’’ للإشارة لسكان المغرب الأقدمين رغم هجر المغاربة  لهذا المصطلح الذي لم يعد مستعملا في المغرب وغيره.

وقد دعموا حجتهم باستعمال هذا المصطلح، بحقيقة تشبث أمازيغ القبائل الجزائرية، سواء في الداخل أو الخارج، باستعمال لفظ بربر التي لا يريدون لها بديلا.

حيث يقول المؤلف في الصفحة 22 : يسمي البربر أنفسهم غالبا ’’إمازيغن’’ و يسمون لغتهم “الأمازيغية” . كلمة “بربر” أصلها لاتيني : “بربارُس” و تنحدر هي الأخرى من اللغة الإغريقية : “برباروس” . هذه الكلمة تعني في الحقيقة “أعجمي” ، أي الذي يتحدث لغة غير مفهومة ”.

وهم في صدد دراستهم بداية البربر في شمال إفريقيا حيث يعترف العلماء بصعوبة الحديث عن البدايات الأولى للسكان الأصليين في شمال إفريقيا وهذا راجع إلى قلة المراجع التاريخية. حيث جاء نقلا عن الكتاب مايلي : ’’ المؤرخون لا يعرفون الكثير عن تلك الساكنة و لا عن تلك المرحلة . فأول ما دُوّن عن شمال إفريقيا قام به مدونون إغريق قدماء ، لكن تلك النصوص لم تكن دقيقة أبدا و كانت تتعلق بالمناطق الساحلية فقط . هيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، هو أول من كتب فعلا عن ساكنة المنطقة . هؤلاء السكان سُموا بالليبيين أو النوميديين ( أي بمعنى :البدو الرحل ).

وبعد دراسة بدايات البربر يصل المؤلف إلى نقطة أكثر أهمية وهي المتعلقة بأصل الأمازيغ وبالتصنيف الأنتروبولوجي لسكان شمال إفريقيا الأقدمين إلى درجة أنه لا يستبعد بتاتا أن يكون الموطن الأصلي للأمازيغ هو الشرق الأوسط و الجزيرة العربية. يقول المؤلف : أصل أجداد البرابرة هو أيضا غير معروف، هل ينتمون بشكل مباشر إلى سكان العصر الحجري أم حدث اجتياح من أوروبا ؟ هل هم شعب هاجر من فلسطين، بعد سيطرة الإسرائيليين عليها ، عبر البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى شمال إفريقيا، كما يذهب الى ذلك أوغوسطينوس في القرن الرابع ؟ أم أن البربر أتوا من جنوب اليمن ؟ فمن هم الأجداد الأولون يا ترى ؟ فهل تمزغ عرب بعد قدومهم إلى شمال إفريقيا ثم تعرب بعضهم من جديد ولم يتعرب آخرون ؟ .

ليؤكد العلماء فعلا أن هناك هجرات متعددة قديمة حدثت من المشرق العربي إلى شمال إفريقيا، إذ أتى في المؤلف:

“ ستة آلاف قبل الميلاد حدثت هجرات جديدة قادمة من المشرق أجزاء من أواني طينية و بقايا عظام تشير إلى أوجه التشابه بين المناطق الشرقية لشمال إفريقيا و الشرق الأوسط وهناك تشابه للمخطوطات التي وجدت على لوحات القبور الحجرية في مصر و بلاد النوبا و الجزيرة العربية و شمال إفريقيا “

رموز عربية قديمة من اليمن كما تناول العلماء في دراستهم التشابه المعماري بين المشرق العربي خصوصا اليمن مع المعمار البربري في شمال إفريقيا حيث يقول الباحثون : ’’ إنه لمن المثير للانتباه أيضا التشابه الموجود بين طرق البناء في كل من اليمن و جنوب المغرب ”.

أصل الأمازيغ

ثم يضيف المؤلف : ” في القرن التاسع عشر بعد احتلال فرنسا للجزائر، روّجت فرنسا نظرية مفادها أن البربر قد يكونون من أصول أوربية. للبرهنة على صحة تلك النظرية جيء بتشابه الخناجر القديمة التي عثر عليها في كل من فرنسا و شمال إفريقيا، وكون كثير من البربر يتصفون بشعر مفتوح اللون، غير أن هذه النظرية كما يؤكد العلماء هي نظرية ذات خلفية سياسية. فهي إنبنت على اعتبار أن البربر تسهل فرنستهم و فَرَنْجتهم بخلاف العرب الذين اعتبروهم دخلاء و غرباء عن المنطقة . وهذه النظرية تعتبر البربر جنسا بربريا خالصا وكان من مدعميين هذه النظرية جاك بينيت المؤسس الخفي للهوية البربرية المتطرفة، غير أن العلماء الهولنديون يؤكدون بعد دراستهم المعمقة والعلمية أن سكان شمال إفريقيا الأصليين هم في الحقيقة نتاجُ هجرات كثيرة من مناطق مختلفة ، كونت خليطا كان لكل منها إضافاتها الخاصة بها وأن البربر هم مزيج من مجموعة هجرات بشرية قديمة بعضها قدم من المشرق العربي والاخرى قدمت من الشمال لتشكل عبر مرور السنين المجتمع البربري بمختلف لهجاته وسماته الفيزيولوجية” وهذا نفس ما أكدته الدراسة العلمية الجينية على رفات مقبرة تافوغالت قبل 15000 سنة والصادرة عن مجلة العلوم الأمريكية والتي سبق تناولها.

وهي أيضا نفس الخلاصة التي أقرها صاحب كتاب: (البربر: ذاكرة وهوية / Les Berbéres Mémoire Et Indentité) للأستاذ المؤرخ الفرنسى: غابريال كامبس، إذ أكد حول أصول البربر أن:
” البربر لا يشكلون شعبا منسجما من حيث الأنثروبولوجيا.. فهم نتاج خليط من قبائل وشعوب متعددة  ”

ويظيف غابريال في نفس الكتاب (صفحة 11):

“إن علماء الأجناس يؤكدون أن الجماعات البيضاء بشمال إفريقيا سواء أكانت ناطقة بالبربرية أو بالعربية، تنحدر في معظمها من جماعات بحر متوسطية جاءت من المشرق في الألف الثامنة قبل الميلاد بل ربما قبلها، وراحت تنتشر بهدوء بالمغرب العربي والصحراء”.

وبالرجوع للمؤرخين والنسابة الأوائل فهناك مجموعة يذهبون إلى أن الأمازيغ من أصول مشرقية عربية حميرية، هاجروا بسبب الجفاف، وتغير المناخ، وكثرة الحروب إلى شمال أفريقيا، من اليمن والشام، عبر الحبشة ومصر، فاستقروا في شمال أفريقيا، وبالضبط في غرب مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وشمال السودان، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاصو، وجزر الكناريا، والأندلس، وجزر صقلية بإيطاليا.

ويرى ابن خلدون أن البربر من نسل مازيغ بن كنعان، بمعنى أن أصول البربر كنعانية مشرقية. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون: إن أفريقش بن قيس بن صيفي، من ملوك التبابعة، لما غزا المغرب وإفريقية، وقتل الملك جرجيس، وبنى المدن والأمصار، وباسمه زعموا سميت إفريقية لما رأى هذا الجيل من الأعاجم، وسمع رطانتهم، ووعى اختلافها وتنوعها تعجب من ذلك، وقال ما أكثر بربرتكم، فسموا بالبربر.

و قديما، قد قال القديس الجزائري الأمازيغي أوغسطين قولة مأثورة، وهي أن الأمازيغ كنعانيو الأصل: إذا سألتم فلاحينا عن أصلهم؛ سيجيبون: نحن كنعانيون“.

ويتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن الدراسات العلمية والتاريخية أجمعت أن البربر عرب يمنيون، حميريون، موطنهم الأصلي الشرق العربي، وقد نزلوا بشمال إفريقيا، عن طريق الحبشة ومصر في وقت قديم.

مراجع

  • E.F.Gautier: Le passé de l’Afrique du Nord,(les siècles obscures), Payot,Paris,1952, p:139.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ياسين التويجرات السباعي

طالب باحث في سلك القانون بجامعة إبن زهر. باحث في التاريخ المعاصر.
زر الذهاب إلى الأعلى