سياسة وتاريخ

أصبح النسيان إجبارًا.. كيف تتلاعب الحكومات بذاكرة شعوبها؟

الذاكرة ذلك الشيء العجيب تتجمع فيه ذكرياتنا وتاريخ كل منا منذ أن وطأ الأرض، فالذاكرة هي من ترسم الفرق بين الإنسان وباقي المخلوقات باختلاف أنواعها الموجودة على كوكب الأرض. لكن يتم الآن التلاعب بالذكريات لتحقيق المصالح الشخصية عن طريق الإعلام والخطابات السياسية والرسائل الحكومية.

وبالذاكرة تتوالد الذكريات وبها نكبر ونصير عقلاء، وتعلو الذاكرة من حيث الأهمية عن الأكل والشرب، فلو فقدناها نفقد كل شيء.

وعندما تقوم بخطأ ما في عملك أو وسط عائلتك أكنت طفلًا أو شيخًا أنثى أو ذكر، فإن أول ما يقال لك. هل لك أين ذاكرتك؟

التلاعب بالذكريات

هل وصلنا إلى مرحلة أصبحت ذكرياتنا الشخصية لا يمكنها أن تتذكر ما تريده الدول والحكومات أن نتذكره لا غير، وننسى ما يريدون أن ننساه؟

هل تصبح ذكريات الفرد تتأثر بما يملى عليه من ذكريات، فيختار له الذكريات التي يجب أن تبقى عنده وتمسح من ذاكرته الأشياء التي يجب عليه نسيانها؟ وهو ما يعرف بأنه التلاعب بالذكريات الشخصية للإنسان.

ولنا في الأوبئة التي تخزنها ذاكرتنا خير مثال، فيقال لنا إن سبب وباء كورونا “كوفيد-19” أكل الخفافيش. فنسجل ما قيل لنا دون أن نبحث عن سبب آخر للوباء.

على كلٍ، التاريخ سيبين الحقائق يومًا ما، وسيفضح الكل وتنكشف طرقهم في قلب الحقائق، وسيعاد كتابة صفحات التاريخ التي تم تلويثها.

من يخرج لنا كل هذه الأخبار الزائفة و جعل أفكارنا تخزنها لتصبح ذكريات مخزنة لدينا على الرغم من أننا نعرف أنهه يتك التلاعب بالذكريات وهي زائفة ومغلوطة؟

من وباء إلى آخر، فمن وباء “السارس” الذي مر عليه 18 سنة ونحن نسمع ونسجل ولا نتقدم أي خطوة في التعرف عن مخرج هذه الأوبئة، المشكلة أنه ليس لدينا المقدرة الذهنية على تغيير أفكارنا المرتبطة بمثل هذه الأمور. علينا أن نتساءل؛ أين رحلت أفكارنا عن المآسي السابقة، فمن قام بمحو ذاكرتنا؟ من سلبها منا؟

إن الانسان الذي لا يملك ذاكرة هو مثل الجماد لا يشعر بشيء، إن فقدان الذكريات عند أي فرد منا هو عزله عن كل ماضيٍ عاشه.

يصبح الفرد منا إذا خسر ذكرياته كقطعة رخام صم مقطوعة من المحجر. أي شعور سينتابنا وكيف سيصير ذاك الشخص؟ الوحيد الذي يمكنه أن يجيب عن تساؤلي هو قاطع الرخام.

اقرأ أيضًا: الخنجر المسموم.. خيانة الأوطان ليس وجهة نظر

كيف تتلاعب الحكومات بذاكرة الشعوب؟

إن الشعور بمعنى الحياة عندي وحبها لا يكون إلا بمسك القلم والورق، فالكتابة هي الحياة. أما إذا فقدنا وتخلينا عن ذكرياتنا الشخصية المطبوعة والمنقوشة بداخلنا حلوها ومرها، فما معنى وقيمة ولذة لمسكي قلمي لأكتب؟ وأي قيمة لكتبنا وتاريخنا وأدبنا؟

إن مسحت الذاكرة أو غيرت أو تم التلاعب بالذكريات الخاصة بنا، ما عسانا أن نكتب للناس؟ سنصبح كالدمى يحركها ماسكها فهي لا تتحرك ولن تتحرك، فالكاتب لن يكتب ذكرياته والصحافي لن ينقل ما يراه.

سنصبح أجسام بلا ذكريات، فأصحاب الخطب الرنانة لن يتكلموا على ما يروه في الواقع بل سيرددون ما لقنوهم على إيقاعهم. من سيقول الحقيقة ويتحدث بحرية عن المخلوق يعيش على الأرض له عقل وذكريات؟

السؤال الذي شغل ذهني بعد جائحة الكورونا هو ماذا لو لم يكن هناك في الصين كاتب يكتب وربما يمارس نوعًا من التلاعب بالذكريات عن هذا الطاعون ويسجلها على الورق. ماذا لو لم يوجد أناس يسجلون هذه الذكرى الأليمة على هواتفهم. ليعرفوا العالم عن الكارثة؟

إن الزمن هو المكلف الوحيد بمحو ذكرياتنا فهو الوحيد القادر على قتلها وكأنها لم تخلق يومًا. ثم يأتي النسيان العظيم الذي يمحو وينهي كل شيء لقد أصبح التاريخ أسطورة بلا أساس نسيان وخيال.

ولا يمكن إفساد الذاكرة وذكريات شخصية أو فسخها كلها بمرور العمر، فالذكريات لها أهمية كبرى حيث إنها الأساس الأول لقول الحقيقة.

ويعد استخدام الذكريات للكتابة أمر مهم يحثنا على التفتيش وسط الفوضى العالمية عن الحقيقة، وإذا حرم الإنسان من هذا القليل من الحقيقة وتم التلاعب بالذكريات فإلى أين تسير الحقيقة والوقائع التاريخية في عالمنا الكبير؟

إن ذكرياتنا لا يمكنها تغيير العالم، بل بالذاكرة تكون لنا قلوب رحيمة، فهي ليست قوة نووية لتغير الواقع إلا أنها يمكنها أن تساعدنا على التساؤل وحث عقولنا على فهم الأكاذيب التي يريدون منا تصديقها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق