ثقافة وفنون

أشد فتكًا من كورونا.. جراثيم الجهل والفقر تغزو المجتمعات العربية

في ظل واقع الانحطاط الذي تعيشه الأمة العربية على الصعيد الثقافي والمعرفي حيث الغياب الشبه الكلي لدور المثقف والمؤسسات ذات الرأسمال الرمزي كالمدرسة، الجامعة، المسرح.. ونخص بالذكر الدور الفعال الذي يمكن أن يلعبه الكتاب في صناعة الوعي النقدي لدى الجمهور المتلقي حيث ضحالة المنتج الفكري. هذه العطلة التي دامت زمنًا تاريخيًا طويلًا تغذيها عوامل متعددة، يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، السوسيولوجي بالسيكولوجي، السياسي بالاقتصادي، التراثي باللاهوتي، وهي في حاجة إلى المناعة الفكرية لموجهة تلك التحديات.

إن القراءة الأولية للأرقام المخيفة التي تطلعنا بها وسائل الإعلام والتقارير الدولية حول المنحى التصاعدي لعدد الحالات المصابة بمرض ( كوفيد 19) والارتفاع الملحوظ لمعدل الفتك بالبشر خلال الأسابيع الأخيرة في العالم عمومًا والعالم العربي على وجه الخصوص، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مجال المسؤولية الفردية والجماعية؟ إن الجواب عن هذه الإشكالية الكبرى، وفي انتظار اللقاح الذي قد يأتي ولا يأتي، يتطلب مقاربة موضوعية تستحضر السياقات الراهنة التي تأخذ بعين الاعتبار مجموعه من المتغيرات المجالية والسوسيوتقافية والبيولوجية.

لكن يظل الرهان المركزي هو تأهيل العنصر البشري أو ما يُطلق عليه المناعة الفكرية باعتباره الفاعل الأساسي في كل الاستراتيجيات الإصلاحية التنموية والوقائية، ولعل ما يقع الآن من استهتار بالصحة العامة للمجتمع يتحمل داخلها المواطن النصيب الأوفر، باعتباره هو الآخر نتاج لمنظومة اجتماعية سياسية، اقتصادية، تعاني خللاً وظيفيًا عميقًا يحتاج إعاده ترتيب الأولويات للقطاعات الاستراتيجية: التعليم، الصحة، دعم البحث العلمي باعتباره مجالًا حيويًا قادر على رفع التحديات التي تواجه العالم المعاصر.

ذلك أن الدول التي استطاعت امتصاص الصدمات القوية التي خلفتها جائحة كورونا (الصين، ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى الدول الاسكندينافية…)؛ بفضل اقتصادياتها القوية ونظامها الصحي الصلب ومستوى الاستجابة الجماعية لشعوبها. بغض النظر عن بعض الاحتجاجات التي عرفتها هذه الدول. الأمر يعتبر مسألة عادية يدخل ضمن منظومة الديمقراطية التي تمارسها هذه المجتمعات.

إن التذكير بهذه الوقائع يأتي في سياق التنبيه إلى أنه ما يقع في المجتمعات العربية هو في حقيقة الأمر نتاج لمنسوب الوعي المجتمعي، وهو بدوره محصلة طبيعية للنظام التعليمي داخل هذه الدول، حيث يلعب دوره الاستراتيجي في صناعة مواطن الغد القادر على تحمل مسؤوليته الفردية تجاه ذاته وتجاه مجتمعه، هذا الكائن العاقل المدني، المواطن الذي يؤمن بقيم الحداثة المدنية، والعقلانية، مواطن ملتزم إيجابي، قادر على الخلق والإبداع، يمتلك الحس النقدي تجاه المخاطر التي أصبحت الصورة تلعبها في بلورة نموذج عالمي جديد.

وقد سبق لعلماء وباحثين من مشارب علمية مختلفة من أمثال عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu، حيث اعتبر بأن الكل سيلعب في المجال السمعي البصري، هذه السلطة الرمزية تكمن خطورتها في صناعه نموذج اجتماعي منمط يلغي الفوارق الثقافية، الاجتماعية والهوياتية، فصناعة الحقائق أو المناعة الفكرية أصبحت تتم داخل هذه الوسائط حيث تتداخل الحقيقة مع اللا حقيقة والشائعة والأخبار الكاذبة.

هذا الكائن التكنولوجي المنفعل يقف في وضعية المشاهد السلبي المتلقي، يستهلك هذه المعطيات الواردة من منصات التواصل الاجتماعي، تخلق له حالة من اللا يقين والتشكيك والاستهتار بل وتدفعه إلى إنتاج تصور حول عدم وجود كائن مجهري اسمه (covid 19)؛ لأن خاصية وسمة العوام هي إعمال الإدراك الحسي المباشر للأشياء والتسليم بوجودها، انطلاقًا من معاينتها في الواقع الحسي المباشر. الذي أصبحت الصورة هي مصدر تشكله في غفلة منه.

إن الصورة لا تعكس واقع الأشياء بل هي مجرد نسخ ومحاكاة (السيمولاكر) للواقع يتم بناؤه، إن المدرسة والمؤسسات التنشئية مطالبة من أي وقت آخر بلعب دورها المركزي في التنشئة الاجتماعية والتربوية وتغذية هذ ا الكائن التكنولوجي بقيم أخلاقية، مدنية، عقلية، ضرورية، مكيفة مع المستجدات المعاصرة، دون أن نغفل دور المثقف العضوي الذي يجب أن يلعب مهمته المركزية في إحياء النموذج التنويري الذي يؤمن بالحريةو العقل والتقدم.

إن العدو الحقيقي لأي مشروع إصلاحي تقدمي سياسي ليس هو هذا الكائن المجهري (كورونا فيروس) بل جرثومة الجهل والأمية والتخلف؛ لذلك فالمناعة الحقيقية لمواجهة الصعاب هي المناعة الفكرية ذلك هو الرهان الحقيقي؛ لأن هذه الجائحة أماطت اللثام عن مجموعة من الحقائق كانت مغيبة واقعيًا عن النقاش العمومي.

اقرأ أيضاً: في عالم ما بعد كرونا المستبدون سيجعلون حياتك أكثر رعبًا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق