ثقافة وفنون

أسواق حمص المسقوفة بناه الأجداد ودمره الأحفاد.. فهل من حياة بعد الممات؟

تمثل الأسواق الأثرية القديمة على غرار سوق حمص الذي يقع في المدينة السورية العتيقة، وهو ملتقى اجتماعي واقتصادي للسكان من مختلف أنحاء المحافظة، وهي من أبرز الأماكن التي تحافظ على الأصالة والعراقة. ولقد تعرضت هذه الأسواق المتماثلة في نمط العمران والبناء إلى تغيرات بنيوية كبيرة في المنتجات والسلع التي تقدمها عبر الزمن نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للسكان، واتساع دائرة التبادل التجاري، إضافة إلى التغيرات في البنية العمرانية التي لم تتأثر كثيراً، مع بعض الاستثناءات.

كما أن قوة وازدهار الأسواق هي قوة وازدهار للمدن التي تضمها وحتى بعض الأسواق تؤثر على قوة الدولة بأكملها. وحمص كغيرها من المدن السورية القديمة تضم العديد من الأسواق الأثرية القديمة والحديثة.

وقد بنيّ سوق حمص وغيره من الأسواق الأثرية القديمة على نمط معماري واحد مميز وموحد تقريباً من حيث خصائصه ومواد البناء الأولية والتنظيم الهندسي؛ كعدم قابلية شوارعه لعبور العربات والمركبات والسيارات وغيرها من وسائط النقل، أي أنها مخصصة للمشاة فقط، وتتميز أيضاً بأنها مسقوفة، وتوحيد مواصفات المساحة للمحلات والمخازن، وتقسيمها إلى عدة فروع تتخصص بنوع واحد من المنتجات، مثل سوق الصاغة وسوق الحرير وغيرها.

تعد الأسوق المسقوفة الأبرز بين أسواق حمص من الناحيتين التاريخية والاقتصادية، وتعرف محلياً باسم “السوق المقبي” وهو أكبر أسواق حمص وأقدمها. ويعد معلم أثري بامتياز، وهو مخصص للمشاة فقط، يضم العديد من الأسواق الصغيرة التي تشكل بمجموعها ما يسمى السوق المسقوف (وذلك لأن العديد من أجزائه مسقوفة). وشيدت هذه الأسواق في جزء كبير منها في العهدين الأيوبي والمملوكي، وأجزاء أخرى تعود إلى العهد العثماني.

وقد أخذت هذه الأسواق تسمياتها بحسب المهنة المزاولة فيها والمنتجات والبضائع التي تقدمها. وقد مرت بالعديد من الحوادث الطبيعية والبشرية المصدر كالزلازل والحرائق والتخريب والإهمال وغيرها، كما شهدت فترات من الازدهار والنمو بسبب موقع المدينة على طريق القوافل التجارية وتوسطها البلاد.

وقد كان السوق المسقوف في بداياته ملتقى ومكان تتجمع فيه القوافل القادمة من أماكن مختلفة، كما كان تجمعاً لأصحاب المهن اليدوية والباعة الذين يأتون من القرى والأرياف المحيطة بالمدينة ليبيعوا منتجاتهم. وتطور هذا السوق ليصل إلى شكله الحالي وكان يضم في مطلع القرن العشرين عدداً من البنوك والمصارف، أبرزها بنك “سلوم” الذي لم يعد موجوداً اليوم. وكانت تمر في بعض أجزائه السيارات والحافلات ثم أغلق ليصبح للمشاة فقط.

في عام 2011 تعرض سوق حمص ومنطقة الأسواق الأثرية للدمار والحرائق، وتضررت البنية التحتية فيها، وهجرها الناس والتجار. وبعد تحرير المدينة في عام2014، بدأت أعمال الترميم وإعادة التأهيل وذلك بالتنسيق بين محافظة حمص ومنظمة الأمم المتحدة الفرع الإنمائي UNDP وبإشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف وعلى مساحة 42000 متر مربع. وهي تشكل حوالي 3,5% من إجمالي مساحة حمص القديمة.

سوق حمص

تقسم الأسواق المسقوفة داخل سوق حمص الأثري، إلى عدد من الأقسام والأسواق الفرعية، والتي تختص بتقديم أنواع محددة من المنتجات والسلع.

ونبدأ بـ”سوق النوري” حيث كان يعرف بسوق “القوافة” أو “الصرماتية” لإشغاله من قبل بائعي الأحذية وخاصة الأحذية (الصرامي) الحمر التي كانت رائجة قبل الأربعينات من القرن الماضي، ثم أصبح يقدم عدداً من البضائع المتنوعة التي بدأت تدخله منذ الخمسينات كالفاتورة والنوفوتيه وغيرها. وتحول الآن لبيع الملابس والذهب والسكاكر، وعلى امتداد سوق النوري لجهة الغرب في سوق الحسبة توجد محلات متنوعة لبيع المواد الغذائية والمكتبية والمنزلية والحلويات والأسماك واللحوم.

أما “سوق البازرباشي”، فقد كان يعرف باسم “سوق النسوان” وذلك لأن النسوة كانت تتولى بيع الأشياء القديمة أو المستعملة، وبهذا نستنتج أن المرأة كانت تشارك في الحياة الاقتصادية قديماً. واستمرت هذه العادة في إحدى فروع سوق حمص حتى الستينيات وكانت بضاعة النساء تتألف من الألبسة النسائية والمصنوعات اليدوية كالقماش المطرز وبعض المأكولات المنزلية والثياب المستعملة. وأخذت هذه الأسواق بالتمدد والانتشار حتى وصلت إلى وضعها الحالي، وكان هذا التوسع ضرورياً نظراً لتطور الحياة وتعدد الصناعات والحرف. وحالياً هو تجمع لعدد من المحلات التجارية التي تبيع الأقمشة والذهب.

ونأتي إلى سوق المنسوجات والصاغة، حيث تتفرع منه أسواق صغيرة لبيع الأنسجة والحرير ولوازم الخياطة، وكانت تنتشر في سوق المعصرة ممارسة عصر الدبس فيه وهو ما منحه اسمه. وتظهر في الجهة الشمالية الشرقية منه داخل إحدى المحال التجارية آثار المعصرة الحجرية لزبيب العنب.

وتحول السوق الآن إلى محلات تجارية، استخدم الطابق العلوي حتى عام 1959 لأصحاب مهنة الخياطة ثم لبيع النوفوتيه والأقمشة ومستودعات المنسوجات، ويتألف طابقه الأول من ثلاثة عشر محلاً تجارياً.

أما “سوق القيسارية”، وهو فرع من فروع سوق حمص فقد لعب دوراً تجارياً هاماً، ويعد مركزاً لاستراحة المسافرين وممارسة النشاط التجاري وتبادل السلع والبضائع عدا عن كونه بمثابة الخانات القديمة أو الفنادق الحديثة التي يبيت فيها الغرباء. كان يتركز نشاطه التجاري على تجارة الحرير الطبيعي وتصنيع وبيع منتجاته بالإضافة إلى حياكة الشراشف والستائر الموشاة بالخيوط الذهبية والشملات الحريرية والمآزر ونسج العباءات على تلك الأنوال اليدوية. يزاول أغلب أصحاب المحلات حالياً تجارة الألبسة والأقمشة الجاهزة.

وفي “سوق العبي والخياطين”، تنشط مهن الخياطة العربية وتنجيد وبيع البسط، وكان يدعى سابقاً “سوق القطن”.

وفي “سوق العطارين”، الذي أخذ تسميته من تجارة العطورات فيه، نجد أن المواد التي يتم بيعها في المحلات هي النباتات الطبيعية كالبابونج والكمون والكزبرة وحبة البركة والشمر والسماق والزيزفون والزنجبيل والورد الجوري والبنفسج والزعتر البري بأنواعه، حيث يضم أكثر من خمسة آلاف صنف ما بين أعشاب ونباتات وتوابل وزيوت وعطورات. وفي “سوق العرب” يباع فيه الفرو والخيوط المختلفة والحبال.

تجاوزت نسبة الإنجاز 90% في مشروع تأهيل الأسواق المسقوفة حالياً ضمن سوق حمص الأثري، حسب التصريحات الرسمية. لكن عودة انتعاش هذه الأسواق لا تتجاوز الـ20%، والسبب هو استحداث أسواق جزئية مؤقتة ومبعثرة داخل الأحياء في ظل الأزمة وإغلاق الأسواق المسقوفة، وانتعاش هذه الأسواق في كل حي، إضافة لأن عمرها يصل إلى خمسة سنوات؛ لكنها تبقى فقيرة بالحرف والسلع والمواد التي كانت توفرها الأسواق المسقوفة.

إن سوق حمص المسقوف رغم قدمه، فإنه ما يزال يحتفظ بأهميته الاقتصادية والتجارية والسياحية وحتى الاجتماعية؛ لأنه يشهد تركزاً مكثفاً للمحال التجارية وتخصصها بنوع معين من المنتجات حسب كل سوق. إضافة لموقع تلك الأسواق المميز في قلب المنطقة التجارية، وتقدم هذه الأسواق وظائف وخدمات مختلفة ومتنوعة منها التجاري والخدمي والاجتماعي، كما أنها تتخصص بأنواع محددة من المنتجات والبضائع، وهو ما نلاحظه من أسماء هذه الأسواق، والتي تغيرت مع تغير وظيفة الأسواق والمخازن التي تضمها.

وكما تعد حمص عقدة مواصلات هامة؛ فإن الأسواق المسقوفة تعتبر الممر الرئيسي للقوافل الآتية إلى حمص أو عبرها مما يزيد من غنى المنطقة. لهذا فإن عودة انتعاش الأسواق المسقوفة بعد الأضرار التي لحقت بها، تمثل ضرورة ملحة كي تعود الحياة التجارية والاقتصادية إلى طبيعتها، وتساهم بازدهار المدينة وتشجيع السكان على العودة. فهل من حياة بعد الممات؟ وهل من أمل يلوح في الأفق؟

اقرأ أيضًا: قصة آيا صوفيا: أعظم كنائس الرومان بُنيت بدماء قديسة وتهدمت مرتين

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Qusay Suso

باحث في الجغرافيا البشرية والاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق