سياسة وتاريخ

أسطورة لا تموت.. الكشف عن سر مصرع كليوباترا ومَن زوّر التاريخ

كليوباترا اليوم، اسمٌ يدل على شركات ومنتجات ومصانع منها عربية مصرية ومنها أجنبية. أما في التاريخ كليوباترا هي ملكة مصر وآخر فرعون لحضارة عريقة. اختلفت المراجع التاريخية في وفاة كليوباترا ونسبها وملامح وجهها، وإلى أي قارةٍ، وإلى أي عرقٍ تعود، ولكن كل المراجع التاريخية العربية والأجنبية اتفقت على أن كليوباترا في حقبة من الحقب كانت ملكة وفرعون مصر.

أُطلق اسم كليوباترا سابقاً على عدة نساء في البلاط الملكي، ولكن الملكة التي وصلتنا شهرتها هي في الحقيقة؛ كليوباترا السابعة فرعونة مصر وحاكمتها وهي من أكثر الشخصيات دهاء وذكاء وقيادة، حققت في عصرها الكثير من الإنجازات لمصر، ومارست سياسة ذكية ومحنكة وخاضت مؤامرات وحروب وصمدت بقوة.

كليوباترا تلك الشخصية التي اختلفت المصادر الأوروبية والعربية في وصفها، واختلفت البحوث في سرد تاريخها وفي وصف ذكائها ودهائها، ومن يطلع على التاريخ لا يستطيع أن يمر بشخصية كليوباترا ولا يتأثر بها، الروايات والقصص التي وصلتنا عنها حتى البحوث والمراجع منهم من أنصف هذة الملكة ومنهم من لم يعطها حقها، ولا ننسى أن السينمات العالمية والعربية جسدت شخصية كليوباترا وحياتها بالاعتماد على روايات تاريخية أجنبية منها وعربية.

وينسب لكليوباترا ألقاب عدة منها: “أنثى حورس، السيدة النبيلة، سيدة الدولتين، سيدة الجنوب والشمال، ملكة مصر العليا ذات التاج الأبيض، وملكة مصر السفلى ذات التاج الأحمر، وعظيمة الثناء”، وغيرها من الألقاب الشرفية والملكية.

يؤمن الجميع أن الملكة كليوباترا حاكمة مصر وصاحبة الذكاء والدهاء والمال والترف، نشأت في بيئة غنية، وكان أباها ملكاً وأمها أيضاً، تلقت كليوباترا منذ صغرها تربية ونشأة وتعليم على يد أفضل معلمي العصر -آنذاك- ويذكر التاريخ أنه منذ صغرها استطاعت إتقان سبع لغات، وكانت تتمتع بحب السيطرة والقيادة، وأخذت من أسرتها قوة المحاربة والشجاعة والإصرار لتحقيق الأهداف.

لا تعرف تلك الشخصية منذ صغرها الاستسلام، وكانت نهايتها الانتحار، وهي صفة الجبناء والمستسلمين. ولا يجرؤ التاريج حتى على أن ينعت كليوبترا بالجبن أو التخاذل. فكيف يكون نهايتها هي الاستسلام بالانتحار!

تحدثت الكثير من القصص والروايات التاريخية عن وفاة كليوباترا وتم تدوين تلك المراجع بعد موتها بفترة متباعدة، واختلف التاريخ في طريقة وفاة كليوباترا منهم من رجح نظرية الانتحار ومنهم من رجح نظرية الجريمة.

من أشهر الروايات التاريخية والتي رجحت نظرية الانتحار هو أن كليوباترا تعرضت لحالة نفسية سيئة واضطرابات نفسية حادة بعد أن استطاع القائد الروماني أوكتافيان، الذي شن الحرب عليها، وشريكها مارك أنطوني، الانتصار والسيطرة على أجزاء واسعة من مصر، وأيضاً بعض المصادر التاريخية تُرجح أن الملكة تأثرت كثيراً بعد انتحار شريكها مارك أنطوني.

وقام أوكتافيان باحتجاز كليوباترا في ضريحها، أما مارك أنطوني فانتحر بطعن نفسه بالسيف، ووضع أوكتافيان حراسة على ضريح كليوباترا. فتذكر الروايات أن كليوباترا خافت من الأسر والمذلة على يد أوكتافيان فأقبلت على الانتحار.

أما طريقة الانتحار فأشهر الروايات ذكرت أن الانتحار كان عن طريق لدغة ثعبان الكوبرا حيث استطاعت كليوباترا بقدراتها على تهريب ثعبان الكوبرا من الحرس عن طريق وضع الثعبان في إحدى سلات الطعام الواصلة للضريح أو في أواني المياة، وجعلت الثعبان يلدغها في مقاومة لمخاوفها كأنثى. ويقول خبراء التاريخ، عندما وجدوها ميتة كان هناك ثقوب صغيرة جداً على ذراع كليوباترا في إشارة إلى أنها عضة الثعبان.

وذكرت رويات أخرى أن الانتحار كان عن طريق شُرب سُم استطاعت كليوباترا تهريبه من خلال مشط شعرها، إضافةً إلى ذلك، يذكر التاريخ أن كليوباترا قبل أن توشك على الانتحار كتبت رسالة انتحارها وأعطتها لأحد الحارس ليوصلها للقائد أوكتافيان وعندما وصلت الرسالة لأوكتافيان الذي كان قاطناً في قصر يبعد بضعة الأمتار عن ضريح كليوباترا، وعندما قرأ الرسالة أوكتافيان هرع لإنقاذ كليوباترا ولكن عندما وصل إلى ضريحها وجدها ميتة وخادمتيها تحتضران.

كثرت الروايات التاريخية واختلفت فيما بينها عن طريقة وفاة كليوباترا والكثير من الباحثين اليوم يُشككون بصدق الروايات التاريخية وخاصةً أن هذه الروايات كُتبت بعد وفاة كليوباترا بمدة طويلة، وبعض من كتبوا هذه الروايات كان لديهم بعض الحس الخيالي والقصصي.

إضافةً إلى ذلك، أنه لا يوجد أثر لضريح كليوباترا وجثتها لنكتشف كيف ماتت، فأغلب القصص التي توصف وفاتها أخذت من مصادر رومانية قديمة يُشَك بصدقها؛ حيث كانت نظرة الشعب الروماني لكليوباترا غير جيدة.

ولهذة الأسباب وغيرها، فإن بعض المعاصرين اليوم يشككون بتلك القصص، وبعضهم يُرجح نظرية الجريمة، والمتهم كان أوكتافيان الذي لم يقدر على مواجهة كليوباترا وهي حية ففضل مواجهتها وهي ميتة.

أوكتافيان الذي لقب نفسة بـ”أغسطس” فيما بعد، وهو الشهر الذي استطاع أن يقيم فيه إمبراطورية، كان هو المسيطر على ساحة الجريمة، وقام بمؤامرة استطاع التخلص فيها من كليوباترا وتزيف التاريخ بلعبة صنعها هو وإخرجها بنفسه؛ والكثير من الدلائل التي أيدت ذلك، فشخصية أوكتافيان فيها بعض المراوغة وحب السلطة والذكاء، فهو أعلن الحرب على كليوباترا وليس على مارك أنطوني مستغلًا بذلك كُره أغلب الرومانين لتلك الملكة.

ومن الدلائل الأخرى التي أثبتها العلم الحديث، أن لدغة الثعبان الكوبرا وأقوى السموم الموجودة في مصر في ذلك الوقت، كان تأثيرها يستغرق على الأقل ساعة وهذة الفترة أطول من تلك الفترة التي أشار إليها التاريخ. فالوقت الذي استغرقه الحارس للوصول للقائد أوكتافيان المتواجد في قصره والذي لا يبعد إلا بضع الأمتار عن ضريح كليوباترا ورجوعه لها، وذهاب أوكتافيان لضريح كليوباترا فترة قليلة جداً عن الفترة التي يأخذ بها مفعول السم أو لدغة الكوبرا بالقتل.

ومن الدلائل التي أعطت لنظرية الجريمة قوة أكبر، إن لكليوباترا ابن من يوليوس قيصر وهو الابن الوحيد ليوليوس قيصر والذي له الحق الشرعي في ملك روما والإمبراطورية، فاستطاعت كليوباترا قبل موتها تهريب ابنها قبل وصول أوكتافيان، لأن كليوباترا كانت تراهن على ابنها وكانت تُشرِكُه في الملك وتُخطط له مستقبل رائع، فهربته وهو ابن الخامسة عشر تقريباً خوفاً من أوكتافيان.

ويعترف التاريخ بأن ابن كليوباترا مات على يد أوكتافيان بعد موت أمه. واستطاع أوكتافيان بنسج جريمة محنكة ونسج تاريخ مزيف وتخلص من كليوباترا بطريقة أبعدت عنه الشبهات، واستطاع رسم التاريخ الذي يناسبه.

بقى لغز وفاة كليوباترا محيرًا للتاريخ ومحيرًا للمعاصرين؛ فتلك المرأة التي اعترف التاريخ بقوة شخصيتها القيادية والذكاء التي كانت تتمتع بة وكيف أنها استطاعت مواجهة الكثير بحكمة وعقلانية ودهاء وسياسة للوصول إلى أهدافها وتنفيذ مخططاتها، فتلك المرأة التي كانت تتطلع للمستقبل بتفاؤل وإصرار استطاعت حفر اسمها بالتاريخ والتي لو لم تمت لكان للتاريخ كلام آخر.

بعد ألفي عام بقت كليوباترا مُنطلق وإلهام للكثير من الرويات والأفلام والمسرحيات والأفكار، وتعددت وجهات النظر فيها، ولكن لو نظرنا بتمعن على الحرب بين أوكتافيان وكليوباترا لنحدد من انتصر بالنهاية، فسنجد جواباً لهذا السؤال أمام أعيننا، فمن وصلت لنا شهرته اليوم ومن منا لا يعرف من هي كليوباترا، تلك الأساطير التي نسجها أوكتافيان وجريمته التي اعتقد أنه نفذها بدقة وأوهم التاريخ بها هي من صنعت أسطورة وبطلة لن تموت إلى الآن هي كليوباترا الملكة والفرعونة والأسطورة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

آمنة المولى

مهندسة / العراق

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق