سياسة وتاريخ

أسس التجديد في الخطاب الديني

في الحديث الشريف “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة عامٍ من يجدِّد لها أمر دينها” ومن هنا فتجديد الخطاب الديني واجبٌ شرعيٌّ.

ما معنى التجديد؟

تجديد الخطاب الديني لا يعني هدم الموروث الثقافي وإعادة تشكيل الثقافة الإسلامية بما يتناسب مع الأهواء الفكرية، كما أن الخطاب لا يعني الأداء اللفظي والأسلوب الكلامي.

ولكن التجديد الذي نعنيه هو تحديث الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، ومن هنا فيمكننا تعريف الخطاب الديني بأنه: “تحديث الفكر والثقافة الإسلامية التي أخاطب بها الموافق والمخالف لي في الرأيِّ، بما يتفق مع ثوابت الدين ولا يتعارض مع المصلحة العليا للدين والوطن”.

موضوعه

الخطاب الديني موضوعه هو المتغيرات التي تتطوَّر مع الزمن، والتي تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والبيئات، والتي تحتاج إلى عمل المجتهدين لإنزال النصِّ على الواقعة؛ للخروج بحكمٍ يتناسب مع روح العصر، ولا يخالف المصلحة العامة للتشريع، كما يُعني بالوسائل لا بالمقاصد.

أما ثوابت الدين ومقاصده والأحكام القطعية فيه فهذه أبدًا لا تقبل التجديد، وإلا كان التجديد عبثًا، ننأى بأنفسنا عنه؛ فثوابت ديننا لا تقبل التجديد؛ لصلاحها لكل زمان ومكان.

أسس التجديد في الخطاب الديني

والتجديد لكي يتم لابد وأن يقوم على أسس معينة، في مقدمتها:

  • المعرفة التّامة بمصادر التشريع الأصلية، من الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، ومصادر التشريع المأخوذة عنها؛ كالاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف، واستصحاب الأصل، وغير ذلك من أدلة التشريع.
  • الاهتمام بالقضايا التي تعود بالنفع على الأمة وإبرازها، كقضية وحدة المسلمين، وقضية نظم الحكم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتكريس مبادئ الشورى والعدالة الاجتماعية، ونشر ثقافة التسامح، وقضية المواطنة، وطرق التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم، والإيمان بضرورة البناء والعمل والإنتاج، ونبذ ثقافة التبعية والتواكل والكراهية، وقضية العناية بالمرأة والأسرة والطفل.
  • ومنها تحديد النظرة إلى التراث الإسلامي مما ألفه العلماء لخدمة زمانهم، ومعالجة القضايا التي فرضت نفسها على مجتمعهم، والتي على أساسها كان نتاجهم العلمي الذى خدم عصرهم، فلا يعقل أن أتناول نفس قضاياهم وبنفس طرائقهم بعد كل هذه العصور، وبعد أن تغير العالم كله من حولنا، وكأننا ما زلنا نعيش في القرن الخامس، نهتم بالقضايا التي اهتم بها السابقون، بل لابد من تأسيس الثقافة العصرية التي تناسب عصرنا وقضايا ولغته، والتي تربط ماضي الأمة بمستقبلها، وهذا هو الهدف من التجديد، فهو جسر يربط المستقبل بالماضي.
  • التجديد يقع في المقام الأول على عاتق رجال الدين من المفسرين والفقهاء وعلماء الحديث، بتقديم علوم إسلامية في ثوبٍ جديدٍ يعالج مشاكل الأمة وقضاياها، ومن ذلك:

علم التفسير:

فلابد من تصنيف تفسير اجتماعي يعالج نفوس البشر، ويعالج الخلل الاجتماعي في الأمة؛ فالقرءان الكريم في أساسه نزل لمعالجة واقع الأمة وحل مشكلاتها، وهذا ليس دور علماء الدين فقط، بل دور علماء النفس والفلاسفة وعلماء الاجتماع.

ولابد من وجود تفاسير تناقش موضوعات القرآن الكريم، وتربط بين كل موضوع، وتعالجه بطريقة القرآن الكريم.

ولابد من بيان دور المفردة اللغوية في القرآن الكريم، فاستعمال القرآن للفظٍ معينٍ دون مرادفه، فهذا يعني وجود وظيفة معينة لكل مفردة، وهذا ما يجب وأن يعني به التفسير اللغويُّ المعاصر.

الاستفادة من “علوم اللسانيات”؛ للوصول إلى العلاقة بين الآيات وبين السور وبعضها، وبالطبع فجهود أئمتنا السابقين ستبقى خير هادٍ لنا للاهتداء برأيهم في المقام الأول، فنحن لا نبني صرحًا جديدًا، بل نتمِّم ونكمل ما بدأوه هم.

التجديد وعلم العقيدة

علماء العقيدة قدموا فكرًا ولم يقدِّموا دينًا نتحارب عليه، ولو كانوا موجودين فى عصرنا هذا لشغلهم العصر عن كثيرٍ مما نرى، والعقيدة في أساسها بسيطة شرحها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بطريقة تنسجم مع العقل والفطرة، ولو كانت العقيدة وبحوثها يحتاجان إلى هذا التعمق في بيان الأسماء والصفات، والعلاقة بين الذّات والصفات، وبيان الأزلي والسرمدي، والذّات والعرض، والجهة والمكان، وغير ذلك مما تصارع عليه العلماء وكفرت الأمة بعضها بعضًا به.

لو كان هذا من أصول الدين لوضحه لنا القرآن الكريم، ولأبانته لنا السنة النبوية، فليسعنا ما وسع الصحابة في مسائل العقيدة، ولا يتعمق في فهمها أو بحوثها إلا أهل التخصص الدقيق من علماء الشريعة والعقيدة.

ولا بد من وجود وسائل للتوافق بين المذاهب العقدية والفكرية المعاصرة، التي تنذر بحرب طائفية تدق طبولها بين الحين والآخر، والتي قسمت الأمة إلى سنةٍ، وشيعةٍ، وأزهريةٍ، وسلفيةٍ، بل إذا كنا نتعايش مع غير المسلم ونلتقي معه عند نقاط تفاهم، فالأولى بهذا أن تجتمع كلمتنا نحن المسلمين.

الفقه وأصوله

فأصول الفقه هو مستقبل الأمة، وهو المبين لفلسفة الإسلام، وهو العلم الإسلامي الخالص، وهو الرابط بين النص وبين الحياة؛ فبدون أصول الفقه ينقطع النص القرآني عن عالمنا كما حدث اليوم، فالأصوليون هم أكثر من يعرف الغايات الكبرى للتشريع، وهم أكثر من يعرف كيف يربط بين الواقع وبين الدين؛ لكمال معرفتهم بالمصالح والمفاسد، وفقه الأولويات والموازنات وفقه الواقع.

ولكنّ علماء أصول الفقه ما زالوا إلى اليوم يعالجون أصول الفقه بطريقة الإمام الجوينى والبصرى والرازى والآمدى والبيضاوى، بنفس الأسلوب والمنطق والميتافيزيقا والخلافات والتفريعات، ثم بعد ذلك لا يذللون للناشئة صعابه ولا يسهبون في شرحه، بل ولا يستفيدون من بحوثه، وأولى بهم أن يسهلوا هذا العلم للطالب، وأن ينقلوه من عالم الدفاتر إلى واقع الأمة يعالج مشاكلها وقضاياها.

والفقه لابد أن يكون تصويرًا للعصر وقضاياه، ولابد أن يقوم بتأليفه أساتذة فقه العبادات، والمعاملات، والاقتصاد، والمالية، والتجارة، وعلماء السياسة، والاجتماع، والمتخصصون في العلاقات بين الدول، حتى إذا قرأ الشاب نتاجهم كان على وعيٍ كاملٍ بقضايا عصره.

ولابد من أن يكون الفقه معبرًا عن القضايا العصرية التي تعقدت وتنوعت بتنوع العصر وتعقده؛ فالعلم الحديث قد أدخل العالم في تصور اللامعقول ثم معايشته واقعًا، وهذا لابد من معالجته.

ولا بد من إعادة صياغة كتب الفقه بما يتناسب مع لغة العصر، خاصةً في مراحل التعليم المختلفة، فيجد الناشئة صعوبة في فهم مصطلحات هذا العلم ومسائله التي ألفت لمعالجة عصرٍ غير عصرنا وبيئةٍ غير بيئتنا.

الاستعانة بالعلوم الإنسانية، وجهود الفلاسفة، وعلماء الاجتماع والنفس، وخبراء التنمية البشرية، بما وهبهم الله من قدرةٍ على الملاحظة، ومعرفة أوجه الخلل في البناء الاجتماعي والثقافي للأمة، والأمراض والعلل التي يعاني منها المجتمع، فنحن في عصر التخصص الدقيق في فروع العلم.

والفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع هم أقدر الناس على فهم الطبائع البشرية وشرح ما بها من أهواءٍ وأمراضٍ، وهم أقدر الناس على طرح الرؤى التنظيرية لمعالجة مشاكل المجتمعات، ولابد من أن تكون لديهم الثقافة الإسلامية التي تؤهلهم للتحدث عن الشرع الحنيف.

ومثال على ذلك وجدنا الإمام الغزالى 505 هجريًا يبث في الناس ثقافة الإيمان وتطهير النفس البشرية من عللها، وربط المسلم بربه برباطٍ متين؛ وذلك لمعالجة غلبة الشهوات والانهزامية في الأمة، كما قدم للعالم نظرية الشك التي سبق بها ديكارت، وشرح نظرة الإسلام إلى العقل، والعلاقة بين الشرع وبين العقل، وقدم رؤية في جلال العقل وسموه، وانتصر للعلم على الوهم والخيال.

كما رأينا ابن رشدٍ يقدم للعالم نظرته للتنوير والبحث في آفاق العلم بعيدًا عن التقليد والجمود، فكان التغير الهائل في الفكر الأوروبي الذي انتهى إلى ما انتهى إليه الآن.

وهؤلاء في كل أمةٍ هم من يسوقون الأفراد والجماعات والحكام لتغيير النظرة إلى العالم وإلى النفس، وما ظهرت هذه المصطلحات السياسية والفكرية والاجتماعية التي تغير العالم كل يوم، إلا على يد علماء النفس والاجتماع والفلاسفة.

والشكر والتقدير لعلماء الأزهر الشريف ولشيخه الجليل فضيلة مولانا الأستاذ الدكتور الفيلسوف الفقيه أحمد الطيب على مجهوداتهم القيمة في سبيل مشروع التجديد في الفكر الإسلامي، وإسهامات الأزهر سواء في قضايا التجديد، أو في المحافظة على الموروث الثقافي للأمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق