ثقافة و فنون

أسئلة «نوبل»!

سادت حالة من الجدل الصاخب والناقد، وربما الساخر، على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر أعقبت الإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للآداب لعامي 2018 و2019، وأول الأسباب أن الإعلان جاء مخالفًا لكل التوقعات والترشيحات السابقة، والتي حددت أسماء بعينها، والسبب الثاني هو “جغرافية” أسماء الفائزين، والذين ينتمون للقارة الأوروبية التي تستحوذ على الجائزة بشكل كبير، ثم السبب الثالث وهو “صعوبة” كتابة أسماء الفائزين بشكل صحيح أو عدم معرفة نطقها الصحيح.

وتلك الحالة وأسبابها أصبحت شيء معتاد ومتكرر -تقريبا- كل عام مع اختيارات الأكاديمية السويدية، خصوصا فيما يتعلق بجائزتي السلام والأدب، حتى أن البعض بات مقتنعا بأنها فقدت بريقها المعتاد، وربما أهميتها. وذلك كله بالتزامن مع بعض الفضائح، أو لنقل شبهة الفساد والتحيز، التي تم تداولها مؤخرا عن طريقة عمل اللجنة المعنية، وبسببها تم حجب جائزة الأدب العام الماضي.

إنني بالطبع هنا أتحدث عن رد الفعل المصري (وربما العربي) كما عبر المتابعون والمهتمون عنه طوال يوم أمس، ولقد خطر ببالي في الزحمة سؤالا لم أجد له إجابة: هل كان رد الفعل سيختلف لو أن الفائز كان أديبا عربيا أو مصريا أو حتى من دول ما يعرف بالعالم الثالث؟ فهل ساعتها سنرضى عن اللجنة واختيارها، بغض النظر عن اسم الفائز وأدبه؟ بحيث “نفرح” لأنه “من عندنا”!

الإجابة لا يمكن توقعها قطعا لاختلاف أذواق وذائقة المتخصصين وكذلك الجمهور العادي المتابع والمهتم، وهنا السؤال الثاني: لماذا تتعامل مع تلك الجائزة باعتبارها “شهادة” على مكانة ذلك الأديب أو تلك الأديبة؟ هل لأنها أرفع وأقدم و”أغلى” وأشهر جائزة معنويا وماديا على مستوى العالم والشاهد على ذلك هو تعاملنا منذ عام 1988مع نجيب محفوظ، والإصرار على وصفه ب”أديب نوبل”، أو “العالمي” قبل أي وصف أو توصيف آخر، فخرا وزهوا بحصوله عليها كأول أديب مصري وعربي -والوحيد حتى اللحظة؟ ولو افترضنا أنه لم ينلها فهل كان ذلك سيغير من تقديرنا له ولأدبه؟

لا يمكن إنكار أن الجائزة تضمن للحائز عليها انتشارا وشهرة عالمية له ولأدبه، خصوصا وأن الكثير من دور النشر تقوم على الفور بترجمة أعماله، أو تعيد طباعة ما تُرجم له سابقا، وهي بذلك تضمن نسبا عالية في التوزيع وبالتالي الأرباح، لكن -وهذا هو السؤال الثالث: هل يمكن أن تكون الجائزة “صك” نجاح مهما كان مستوى أدب الحاصل عليها؟ بالطبع لا فنحن -في مصر مثلا- لا نقرأ أدب نجيب محفوظ بسبب حصوله على “نوبل”، مع الاعتراف أنها ساهمت في ارتفاع نسب توزيع رواياته، لكن في نفس الوقت أيضا يجب القول أنه لا يزال باقيا ومؤثرا بسبب أدبه وليس بسبب الجائزة، والحال ينطبق على كثير من الأدباء والكتاب (جابريل جارثيا ماركيز مثل آخر).

لكن من زاوية أخرى فكثير من المتابعين والمهتمين، ليس في مصر والعالم العربي فقط، لديه شكوك قوية أن الجائزة أصبحت “مسيسة” بشكل كبير، وأنها تستخدم لخدمة أهداف ما، وهذه الشكوك ليست وليدة اليوم بل منذ زمن، على أنه وهذا هو السؤال الرابع: من أين جاء ذلك الاقتناع ب”حيادية” لجنة الجائزة واختياراتها؟ أو بمعنى آخر: هل يجب أن تكون تلك اللجنة واختياراتها محايدة؟ إننا كلنا نعرف أن لجنة جائزة نوبل وطريقة عملها هي لجنة ذات “طقوس كهنوتية” معقدة وسرية لا نعرف عنها الكثير، ولذلك فيما العجب أو الاندهاش -كل عام- مع الإعلان عن أسماء الفائزين بجوائزها؟

وربما أن ذلك كله لم يرد في خاطر مؤسس الجائزة عندما فكر فيها، ولكن وهذا هو السؤال الخامس والأخير: ما العمل إذا كان كل شيء يتغير، سواء للأحسن أو للأسوأ، حتى وإن حصل كاتب أو أديب يؤمن بالأفكار الفاشية بأكبر جائزة دولية أو كاتبة لا نعرف كيف ننطق اسمها!؟ وعلى كلٍ ليس أمامنا سوى أن نقرأ أعمال الفائزين بالجائزة لعلنا نستطيع فهم رؤية أعضاء اللجنة واختياراتهم!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق