مدونات

أزمة فيلم ثقافي

 

مَنْ منا لم يشاهد “فيلم ثقافي”؟ هذا الفيلم الذي أنتج مطلع القرن الواحد العشرين، ولعل طريقة عرضه بشكل كوميدي ساخر هي من جعلت البعض يفرغه من المضمون ويتأفف منه، لكن الحقيقة أن هذا الفيلم نستطيع وصفه بالفيلم العبقري السابق لعصره؛ وتأتي عبقرية “فيلم ثقافي” في تعرضه لقضية الأمس التي هي قضية اليوم والغد، هذه الأزمة التي مازالت تلازم شباب الأمس واليوم وربما الغد، وكأن الزمان توقف ولم تجرِ عليه سنة الكون، فداء عصرك هو داء مستقبلك ولم تجدِ معه أي مسكنات، وفي اعتقادي الشخصي أن التعرض لأحد للمحرمات الثلاث (الجنس، الدين، السياسة ) يلزمها الطابع الكوميدي حتى يقبلها المشاهد وخصوصا في موضوع كهذا، فلن تقبله الأسرة المصرية بغير هذه الضحكات.

إشكالية الفيلم تتمركز حول مجموعة  شباب عاطل عن العمل غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية، فلم تشفع له الشهادة الجامعية في الحصول على عمل، وما ترتب عليه من حرمان لحقوقهم؛ منها ممارسة الجنس في إطاره المجتمعي والديني، فما كان من هؤلاء إلا أن أقاموا هذه العلاقة في سماء عقولهم وتحت زخات أوهامهم.

تبدأ الدقائق الأولى من الفيلم بوقوف (فتحي عبدالوهاب ) بالبلكونة ليختلس بعض النظرات لجارته وهي تنشر الغسيل وتأتي ثلاث مشاهد متعاقبة تظهر هذا بدء من أحمد عيد ونظارته المتأملة والمتألمة لتلك الصور الفاضحة وصولا لمشهد أحمد رزق في المعمل وما تبعه من فقدان للتركيز نتيجة للاستفزاز النفسي والمعنوي الذي يتعرض له البطل، وينتهي هذا المشهد بحوار رائع بين لطفي لبيب وأحمد رزق هذا الحوار الذي يحمل في طياته الكثير من الإسقاطات والرموز (يعني أنت عايزيني اعمل صدام مع النظام الاجتماعي عشان أنت محروم ومش عارف تركز …يبقى مش من حق النظام الاجتماعي يستنى مني أي انجاز ) فالكبت في أي شيء هو الهلاك، فالكبت في السياسة يصنع الإرهاب، والكبت في الدين يصنع الإلحاد، وكبت النفوس يصنع الانتحار، وفي اعتقادي أن هذا الحوار هو  إشارة لحقبة الانفتاح الاقتصادي نهاية حكم السادات وما ترتب عليه من تغيرات سياسية واجتماعية أدت إلى ظهور طبقة الأثرياء وطبقة المعدومين مع اندثار تدريجيي للطبقة الوسطى.

هذا الحرمان المادي والنفسي والمعنوي لا يمكن أن يأتي معه أي إنجاز؛ ففاقد الشيء لا يعطيه فما بالك بمبتور الأمل! وتنتهي الربع ساعة الأولى من الفيلم بلقطة من فاقعات الإناء في المعمل تنتهي بفاقعات الشيشة على المقهى؛ دلالة على أن التعليم ما هو إلا سراب دخان فرقته رياح عاتية .

وفي تقرير نشرته شبكة سي أن أن الأمريكية منتصف عام 2016 أشارت فيه إلى أن جيل الألفية هو الأقل ممارسة للجنس على مدار الخمسين عاما الأخيرة، ويشير الباحثون إلى أن نسبة الشباب من مواليد الثمانينيات الذين يمارسون الجنس هم أقل من نسبة مواليد الستينيات والسبعينات عندما كانوا في ذات السن، بينما يأتي مواليد التسعينيات الأقل ممارسة للجنس بين كافة الأجيال، ويرجع التقرير هذه الظاهرة إلى أسباب عدة منها العوامل المادية، والتطور التكنولوجي وما صحبه من وسائل مختلفة من أفلام إباحية أو وسائل تواصل نصية أدت إلى فقدان الرغبة في التواصل الإنساني بين أبناء الجيل.

وبالعودة إلى الفيلم مرة أخرى نجد الصعوبات التي تواجه هؤلاء الشباب في مشاهدة هذا الفيلم الإباحي بدءا من الإمضاء على إيصال الأمانة مقابل الحصول على الشريط انتهاءً بدخولهم  لقسم الشرطة، والشريط هنا يرمز إلى الزوجة التي يطمح لها كل شاب والإمضاء على الإيصال هي رمز للعقد والقائمة التي  يوقع عليها الزوج وهي مقابلة استطاع المخرج والمؤلف التعبير عنها برمزية شديدة تظهر مدى حجم المعاناة التي يعانيها هؤلاء في حياتهم، والحقيقة أن هذه الفيلم على الرغم من سلاسة طرحه إلا أن طريقة الإسهاب في الكوميديا أفقده جدية التناول لتلك القضية الخطيرة، ففي الوقت الذي ينشغل به الشباب في الغرب بالعلم والابتكار والعمل على التطور الذاتي والمعرفي؛ ينشغل شبابنا بتدابير الزواج والبحث عن الجنس وإشباع الغرائز فيفنى العمر في الوهم ويضيع الشباب بين دفات الوهم وصناعة الذات.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق