ثقافة و فنون

أزمة انتهت.. وبعد

تحتاج عملية البناء إلى مناخ ملائم وحالة من الإستقرار المادي والنفسي حتى تستمرّ صلاحية الإطار التربوي في تكرار ما انخرط فيه من جهد وعطاء قصد النهوض بالمعلّم والمتعلّم في نفس الوقت.

إذن فالمربّي مطالب بالانخراط في العالم البحثي والأساليب العلمية الحديثة واستبدال آليات عمله حتى لا يصيبها الفتور والبلادة ويخلق لديه روح جديدة للعطاء تكون متماشية مع متطلبات العصر والمفاهيم والمصطلحات العلمية المستحدثة دون القوقعة على ذاته والانزواء بأفكاره القديمة حتى لا يكون بمثابة الفزّاعة المحلّقة في الفضاء والمشدودة إلى لوح لا تبارح مكانها ولا تتغيّر.

من هذا المنطلق يحتاج الإطار التربوي إلى لفتة جدّية من سلطة الإشراف قصد مساعدته على التكيّف مع الواقع التربوي الجديد بديناميكيته وتغيراته لكي يتأقلم مع السلوك الطفولي المتطوّر الذي يميل أكثر نحو القلق الوجودي وينفر من كثرة المعلومات وأسلوب التلقين . انّها الرغبة في ابتكار مدرسة ومدرسين متجددين في أفكارهم ومناهجهم وعطائهم ولا يكون ذلك إلا بالذود عن كلّ ما يصيب المؤسسات التربوية من تجاذبات وحوارات خسر من خلالها الإطار التربوي مكانته المتميزة في نفسية الطفل وفي المجتمع. فأصبح محلّ مسائلة ومتابعة يومية من لدن الوليّ, باعتباره طرف مهمّ وشريك في العملية التربوية, والذي أصبح يتعامل مع المدرسة على أنّها سوق يومية أو أسبوعية.

إنّ الوضعية المادية الصعبة التي يعيشها الإطار التربوي ككلّ أضاع هيبة المدرسة وأسقطها في فخّ الاحتقار والتهميش والركض خلف لقمة العيش دون أن يجد الوقت المناسب للبحث والتفرّغ لتطوير آليات عمله بمواكبة الوعي والنضج والذكاء الفكري الذي يتميز بهما طفل 2019. لذلك كان لا بدّ من عرض البعض من شريط الصراع الذي عاشه قطاع التربية والتعليم في تونس حتى ندرك المتاهة و الانزلاق الخطير الذي عصف بالمؤسسة التربويةو أفقدها هيبتها في هيبة منظوريها من عملة وإداريين وقيمين وأساتذة ونظار ومديرين.

إن تعكّر الأجواء العامة وتعثّر المفاوضات الحاصلة بين النقابة العامة للتعليم الثانوي ووزارة التربية بعد استكمال جلسات الحوار والتفاوض بينهما حول بعض مطالب المدرسين كالترفيع في المنح المالية والتقاعد المبكر وتحسين وضعية المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية وسنّ قانون يجرّم الاعتداء على المؤسسات التربوية والعاملين بها ومضاعفة بعض المنح وتفعيل إحدى النقاط الواردة بمحضر اتفاق 21-10-2011 والقاضي بتصنيف مهنة مدرسي الإعدادي والثانوي ضمن المهن الشاقة  وغيرها من النقاط التي كانت مطروحة على طاولة التفاوض.

إنّ الجلسات الحاصلة بين الجامعة العامة للتعليم الثانوي والوفد الحكومي إنتهت في البداية بالفشل واتّهمت إثرها النقابة وزارة التربية بالتنصّل من  التزاماتها والرجوع عن الاتفاقات الحاصلة بينهما . وهو ما أدىّ إلى عدم الوصول إلى حلّ يرضي الطرفين وينعكس بالإيجاب على المنظومة التربوية ككلّ ويزيل كل الخلافات القائمة التي تصطدم دائما بغياب الإرادة الثنائية الواضحة لحلّ جذري يدحض النزاع القائم بين الطرفين.

على هذا الأساس تمّ الاتجاه نحو العدم والفوضى باختيار نقابة التعليم الثانوي مقاطعة امتحانات الثلاثي الأول مع مواصلة التدريس بصورة عادية والاستعداد لاتّخاذ ما يجب من قرارات تصعيديّة لاحقة في صورة عدم استجابة الحكومة لمطالبها..

الواضح الآن أن أزمة التعليم الثانوي قدّمت لنا عديد الشقوق والانقسامات. وكانت بمثابة المزيج غير متجانس من الآراء والمواقف والأشخاص الغير منضبطين وغير واعين باُنّ المدرسة ملك للجميع وهي الإطار الأمثل لتعلّم أبجديات التعبير عن الرأي بتوخُي أسلوب الحوار والتفاهم. إذن نحن أمام تعنّت وتمسك غير مبرّر باختيارات لا تحمل إستراتيجية عمل واضحة سوى السير بالمؤسسة التربوية نحو مزيدا من الشقوق والانقسامات بين التلميذ والمربي بصفة عامة وبين الأستاذ المضرب وزميله الغير معني بالإضراب وبين إدارة المؤسسة التي تحمل على عاتقها امتصاص غضب التلميذ ومحاولة منعه من الإضرار بالمدرسة العمومية في ظلّ تعطّل الدروس والامتحانات. وهو أيضا إجراء لا يراعي حاجة المؤسسة للمحافظة على تجهيزاتها البدائية وقلة مواردها وحالة النقص في القيمين والعملة واندثار الأخصائي النفساني والاجتماعي التي تعاني منه أغلب المدارس.

أيضا كيف تذهب الوزارة للانشغال بإضعاف تواجد المربي داخل المؤسسة التربوية وتقزيم دوره والتوعّد بمتابعته واعتباره شخصا متمارضا يجب تتبّع غياباته ومعاقبته بالخصم من المرتب عن كل تحرّك أو إضراب. هذه التصرفات من شانها زرع الحقد على المربي والتشريع للتعدّي على شخصه.

كان من الأجدر تعاضد كافة الإطار التربوي بكافة هياكله والعمل على معاضدة معنويات المربّي في تحركاته والانتصار لمطالبه المهنيّة ومحاولة سلطة الإشراف الرفع من معنوياته والإحاطة بظروفه ومشاغله وخلق ظروف ومناخ عمل مناسب.

لقد كان لي شرف السير خلف جنازة أصدقاء من سلك التعليم على اختلاف رتبهم أخذتهم المنيّة بعد سنوات من المرض سواء بالزهايمر أو الاكتئاب أو الأعصاب يتمتعون بتغطية إجتماعية وصحية زائفة يصارعون تكاليف الحياة الباهظة في غياب الامتيازات والمنح التي يتمتع يها غيرهم من الموظفين في قطاعات أخرى رغم التباين العلمي والمعرفي بينهما. لتجدهم في ما بعد  في صندوق لا تكلّف سلطة الإشراف نفسها حتى ببرقية تعزية.

وهنا نتساءل :

من المتسبب الحقيقي في هذه الفوضى والتسيّب الذي دام ما يقارب 5 أشهر؟

هل يجوز تقسيم الواقع التربوي إلى شقوق وأحزاب شبيهة كل الشبه بوضعية الوطن؟

هل يجوز تشريك الطفل في هذه الصراعات واستعمالهم كدروع بشرية في هذه الحرب الفاشلة؟ الم يكن من الأجدر السموّ عن هذه التصرفات الفوضوية ومحاولة إيجاد آليات للتحرك النضالي والمطالبة بالحقوق والامتيازات؟

إن ما عاشته المؤسسات التربوية في هذه السنوات الأخيرة من إضرابات وتجاذبات يحتاج في الحقيقة إلى عديد السنوات حتى تعود صورة المربي إلى مكانتها الأصلية.

اليوم يطلّ علينا  الأمر الحكومي عدد 1046 لسنة 2018 المؤرخ في 18 ديسمبر 2018 والمتعلق بضبط أحكام خاصّة بعقود تسديد الشغورات الظرفية بالمؤسسات التربوية الراجعة بالنظر إلى وزارة التربية من بين الحاملين لشهادة الأستاذية أو الشهادة الوطنية للإجازة أو شهادة معادلة لها  لمدّة عمل  أقصاها تسعة أشهر تمتد من 1 أكتوبر إلى 30 جوان في بعض الخطط والمهام  الواردة بالفصل الثاني من هذا الأمر:

– التدريس بالمدارس الإعدادية والمعاهد

– التدريس بالمدارس الابتدائية

– تأطير ومرافقة التلاميذ بالمدارس الإعدادية والمعاهد ومساعدتهم في الحياة المدرسية

– التعهد بمختلف المواد والأدوات ووسائل الإيضاح البيداغوجية وصيانتها وإصلاحها

و مساعدة مدرّسي المدارس الإعدادية والمعاهد على القيام بالتجارب خلال الحصص التطبيقية عند الاقتضاء

يتمتع هؤلاء الأعوان المتعاقدون بمنحة شهريّة خامّ قدرها سبعمائة وخمسون (750) دينارا تخضع إلى الحجز بعنوان الضريبة على الدّخل. وتخصم من هذه المنحة الغيابات غير الشرعيّة وأيّام العمل غير المنجزة.

هذا الأمر الحكومي  ينصّ على انتدابات هشّة و ظرفية المدة ويعمّق الأزمة والواقع التربوي نحو المسّ من كرامة المربي والانحدار به نحو الأسفل ومزيد من إذلاله في إطار عقود المناولة وبعيدا عن المناظرات الوطنية.انطلاقا من هذا الأمر يمكن لنا الجزم أنّ المدرسة العمومية في مهبّ الريح ومشاغل القواعد وكافة العاملين فيها ومشاكلهم بعيدة كل البعد عن مشاغل وطموحات الهياكل وأصحاب القرار.

يوم السبت 09 فبراير 2019، وبعد سلسلة من التصادمات الممتدّة من حيث الزم، تمّ التوقيع نهائيا على اتّفاق يُنهي أزمة التعليم الثانوي،  وينهي في نفس الوقت قرار مقاطعة إمتحانات الثلاثي الثاني، ويُلغي الإضراب العام الذي كان مقررا يوم 20 و21 من الشهر الجاري وهو ما يعطي فرصة للوزارة نحو اتخاذ الإجراء المناسب من خلال اللجنة التقنية و البيداغوجية المنبثقة لغرض النظر في السبل الكفيلة لإنقاذ ما تبقّى من الموسم الدراسي والذي يتماشى ومصلحة التلميذ الفُضلى. السؤال المطروح اليوم، هل أنّ مجرّد إمضاء هذا الاتفاق بمقدوره إنهاء أزمة التعليم العمومي في تونس؟ أم أنّ مشكلة التعليم أعمق من ذلك بكثير؟

أزمة انتهت باتفاق وبتدخّلات غير مصرّح بها ستتولّد عنها أزمات أخرى..

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق