سياسة و تاريخ

أزمة الهوية، العالم العربي يتخبط في الفوضى الفكرية

جورج قرم مفكر لبناني مشهود له بمعارفه الواسعة وقدمه الراسخة في مجالي الاقتصاد والتاريخ. عمل مستشارًا لدى العديد من المنظمات الدولية فضلًا عن امتهانه التدريس في الجامعة. يظهر من خلال مؤلفاته أنه مهووس بتحقيق التنمية والسلم في الشرق الأوسط.

انطلاقا من موسوعيته وحنكته، يفند قرم مسلماتنا المغلوطة دوما أو المتجاوزة التي لا تسعفنا بإدراك عالم في تحول مستمر. من وجهة نظره، تنعكس الفوضى الفكرية الناتجة عن الحرب التي تتسبب فيها عدة نزاعات على شكل وعي زائف يغذي طامة الاستعمار الغربي.

في شهر ماي من هذه السنة الماضية، ظهر لجورج قرم كتاب جديد بعنوان “La nouvelle question de l’Orient” (المشكلة الجديدة في الشرق) عن سلسلة La Découverte الفرنسية. بهذه المناسبة، أجرت جريدة “الوطن” الجزائرية في نسختها الرقمية الناطقة بالفرنسية حوارًا مع المؤلف أجرته الصحافية لينا خنوش ورأى النور على صفحاتها يوم 15 يوليوز 2017. للإشارة، أعادت عدة مواقع إلكترونية فرنكفونية نشر الحوار نقلًا عن “الوطن”.

وبما أن الضيف أفاض أثناء جوابه على السؤال الأول في شرح المعنى الذي أعطاه في كتابه الجديد للفوضى الفكرية العارمة التي يتخبط فيها العالم العربي، أرى أنه جدير بي الاكتفاء بعرض جواب المؤلف بشموليته وبكل تفاصيله حتى يسهل بالتالي معرفة موقفه ومقصده من مفهوم الفوضى الفكرية دون التقليل من أهمية الأسئلة السبعة الأخرى التي حظيت هي الأخرى من الكاتب بإجابات مفيدة ومستنيرة.

في هذا السؤال الأول، تم تذكيره بمقدمة كتابه الجديد والأخير التي تحدث فيها عن مفهوم “الفوضى الفكرية”الحائلة دون إدراك واقع مجتمعاتنا وفهم الديناميات التصادمية العاملة في أحشائه، والمربكة لفكرة إعادة ترتيب ذات طبيعة إيبيستيمولوجية. بعد ذلك، طُلِبَ منه ذكر المقدمات الضرورية لنقض الخطاب التبسيطي والأطروحات الماهوية المستعملة دائما في تحليل المجتمعات العربية.

أشار المؤلف في بداية جوابه إلى الانزلاقات الخطيرة التي تحدث على مستوى تصور الشرق الأوسط والعالم العربي والعالم الإسلامي. أدت هذه الانزلاقات إلى النظر إلى مناطق العالم كما لو كانت مسرحًا للخطر الجديد الجيوسياسي، الوجودي والحضاري، تماما كما تم تصويره وتقديمه بين ثنايا كتاب هنتينغتنغ حول صدام الحضارات، هذا الكتاب الذي اعتبره قُرم بيانا تمثل دوره في شرعنة الحروب اللاشرعية التي تشنها الإمبراطورية الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون.

عندما يذكر المتحدث الفوضى الفكرية فهو يعني أيضا أنها موجودة من الجانب العربي والإسلامي، طالما أن هناك عدة دول تقول عن نفسها إنها إسلامية وتربطها علاقات تحالف غير مشروط بالقوة العسكرية الأمريكية التي يحظى جنودها بالدعم أثناء انتشارهم في أرجاء الأراضي العربية.

في هذا اإطار، يعترف الكاتب بأنه حاول في مؤلفه المذكور نسف الخطابات العامة والصور النمطية التي أصبحت دائمة الحضور في الآراء العامة المنقادة إلى الموافقة أو عدم معارضة سياسات التدخل العسكري القوي، باسم حقوق الإنسان، أو باسم الدفاع الاستباقي عن “القيم الغربية”. كما حاول أن يبين أن التشويه الذي تعرضت له الآن صورة الإسلام، لا ينسب فقط لغطرسة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي والرغبة في الهيمنة المطلقة على العالم بموازاة عولمته.

ويأتي الدافع للحديث عن الفوضى الفكرية العارمة – في نظر جورج قرم – هو أن أنظمة عربية إسلامية أو إسلامية غير عربية وأفراد كثر من نخبتها المثقفة ينخرطون في مدح هوية إسلامية لا يربطها بالمكتسبات الإيجابية للحداثة إلا الخير والإحسان، مما يساهم في منح المصداقية لطروحة هنتينتغتن.

ارتباطا بهذا المعطى، يأتي المتحدث على ذكر انزلاق آخر من الانزلاقات التي أشار إليها في بداية جوابه عن السؤال، حيث جسّده في انعدام المعرفة بالإسلام؛ ذاك أن المستشرقين الجدد لا يعرفون إلا ثلاثة كتاب من أصل ثلاثة عشر قرنا من الحضارة الإسلامية. هؤلاء الثلاثة هم سيد قطب، المودودي وابن تيمية. كتبهم منتشرة في كل مكان وبجميع اللغات وهي وحدها ما يكون في متناول الشباب العرب المسلمين عبر سائر أرجاء العالم.

في معرض الختام، أشار جورج قرم، من جهة أخرى، إلى أن المشكل يستمد جذوره من منظمة المؤتمر الإسلامي التي شوهد فيها فجأة الإسراع إلى تجميع الدول حول هوية إسلامية – مسكوت عنها، منذ عهد الحروب الصليبية – وحثها على تقويتها ودعمها في رفض فظ لمبادئ الحداثة التي غدت كونية، ومن الصعب الإفلات منها، حتى وإن قامت دول الحلف الأطلسي بانتهاكها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق