ثقافة و فنون

أزمة المثقف: عندما يكون الجهل نعمة

تعاني الثقافة في المجتمعات الفاقدة للوعي من ضيق الأفق، مع وجود رغبة شبه دائمة في الاصطدام بكل وافد جديد لبيئتهم، تظهر هذه المعاناة بشكل أولي مع أبناء تلك الطبقة ممن أصابهم حظ من التعليم، محاولين تنفيذ ما تعلموه وما درسوه؛ ليصطدم بهذا الموروث المجتمعي الرافض لفكرة الخروج عن موروثه، فمجرد الشك في هذا الموروث هو أثم عظيم، وهذا إذا تم وضع الصبغة الدينية على هذا الموروث.

ولعل أصدق مثال على مثل هذه الحالات الصدامية بين الموروث المجتمعي والعلم هي رواية “قنديل أم هاشم” للكاتب يحيى حقي، والتي تحولت فيما بعد لفيلم سينمائي يحمل نفس اسم الرواية، ووضع صبري موسى سيناريو الفيلم وشارك في بطولته شكري سرحان، وأحداث الرواية لا تختلف كثيرًا عن الرواية سوى في المعالجة السينمائية.

نعود إلى موضوعنا الأساسي وهو كيف يصطدم العلم بالجهل؟ وكيف يصبح الجهل نعمة؟ في بيئة لا تؤمن إلا بالقديم ولا تقدس إلا تعاليم الأسبقين موقفةً عقارب الزمن والتطور على فهم السابقين، تبدأ الأحداث بسفر ابن الحي الشعبي “السيدة زينب” للخارج لدراسة الطب، وهناك يحتك بالمتغيرات العلمية الحديثة وما بها من منجزات حضارية، وتبدأ الأزمة للقصة بعودة هذا الفتى من الخارج ليحاول تطبيق ما تعلمه في تلك الدائرة الصغيرة؛ فيقرر افتتاح عيادة لأبناء حارته، وكان عادة أهل حيه أن يتداووا بالطب الشعبي مستخدمين في ذلك بعض قطرات الزيت من قنديل المسجد، ليكتشف فيما بعد أن هذا الدواء المستخدم يزيد من معاناتهم ولا يرجى منه شفاءًا غير السقم.

تمرض خطيبة شكري سرحان ويحاول علاجها خارج المألوف والموروث الشعبي، لكنه يجد نفسه وقع في دائرة الهدم للمعتقد الديني، فهو الثائر على الجهل، والهادم لقنديل أم هاشم بالمسجد، لما لهذا الزيت من ضرر على العيون، وأن سبب عدم شفاء خطيبته هو استخدام زيت القنديل، يؤدي فعل شكري سرحان “إسماعيل” هذا إلى اعتباره هادمًا للدين، وأن عقيدته قد أصابها الخلل، يحاول “إسماعيل” أن يشرح لهم أن هذا ليس من الدين وأن الموروث الشعبي مع كثرة التقديس أنزله منزلة التقديس الديني، لا يجد هذا الطبيب حيلة تخلصه من هذا الصدام إلا مواكبة التيار والسير مع ركبه ولكن بجوهر العلم، فكان يضع في زجاجة زيت القنديل القطرة الخاصة بعلاج العين حتى يستطيع علاج تلك المسكينة.

الحقيقة أن تلك الرواية قد تضعنا على رؤية أزمة المثقف بعين فاحصة؛ فالصدام الحادث بين المثقف وبين البيئة التي يغيب عنها الوعي والفكر هي تجذر الموروثات في أعماق المجتمع، مع وجود دائرة مغلقة غير منفتحة على الجديد، ولا تصنع لها وعي خارج تلك الدائرة.

حيث يغلف الموروث بطبقات عدة تقع معظمها تحت غشاء العادات والتقاليد تارة، وتارة أخرى تحت الموروث الديني، ومن هنا تظهر معاناة المثقف مع المجتمعات الجامدة و الراكنة إلى القديم لا تعي غيره، فالوعي متوقف عنده، ووجود المثقف في تلك المجتمعات يتطلب عناية شديدة في التعامل مع المجتمعات هذه؛ فهو يشبه إلقاء حجر في بحيرة مياه راكدة؛ لذا كان التعامل معهم يتطلب نفس الآلية المجتمعية، ولكن بنمط وبطريقة مختلفة كتلك المستخدمة في رواية أم هاشم.

فالجهل في أحيانٍ كثيرة يكون نعمة لصحابه؛ فهو يغنيه عن عناء التفكير والصدام مع تلك الجبال الراسخة، ويجعله يدور في فلك التقليد في إطار جماعي للبيئة المعيشة، إن المعرفة بقدر ما هي نعمة بقدر ما تكون نقمة على صاحبها، فأما أن يصطدم مع الوعي المجتمعي ويبح صوته دون نتيجة تذكر،وأما أن يصمت فتصيبه الهلاوس نتيجة كبته لعلمه.

فكن “إسماعيل” تضع العلم في ثوب الخرافة حتى تحصل على نصف نتيجة ونصف وعي ونصف مجتمع!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق