سياسة وتاريخ

أزمة الكورونا والشدة المستنصرية

إن من ينظر لما آلت إليه الأمور مؤخرًا في الدول التي أصابها فيروس كورونا، يظن أن هذا الفيروس هو أسوأ ما مر على البشرية في التاريخ المعاصر، ولكن هذا خطأ.

ثلاث أوبئة ضربت العالم وهددت البشرية قبل كورونا وآثارها كانت وخيمة:

وباء الطاعون

ظهر وباء الطاعون في القرن السادس ميلادي، وخلف ما بين 30 و50 مليون قتيل، وهو ما يعادل تقريباً نصف سكان الأرض في ذلك الوقت.

وباء الطاعون الأسود

ظهر في القرن الرابع عشر ميلادي، وقد أودى بحياة 200 مليون شخص في شمال أفريقيا، وآسيا، وأوروبا.

الأنفلونزا الإسبانية

والتي ظهرت عام 1918م، والتي أودت بحياة 50 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم.

لن نتكلم عن أي من الأوبئة التي سبق ذكرها، بل سنتكلم عن كارثة دامت لسبع سنوات، وبالتحديد في مصر ما بين (1065م – 1071م)، وسميت بـ “الشدة المستنصرية”.

كانت مصر آنذاك تحت حكم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وكان سببها نقص حاد في منسوب مياه النيل، وقد دام سبع سنين، وروى المؤرخون عنها حوادث قاسية، فلقد تصحرت الأرض، وهلك الحرث والنسل، وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين، وأكل الناس القطط والكلاب، حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب للتحقيق في حادثة قد أكلوها، فجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع ما على مقابر أبائه من رخام، وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه، وخرجت النساء جياع صوب بغداد، وذكر ابن إلياس أن الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء، وصنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح، وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها.

ويقول المقريزي في كتاب “اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء”:
“ظهر الغلاء بمصر، واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به، وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية الماء دينارًا، وبيع دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين ديناراً واشترى بها دون تليس دقيق، وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر، وبيع رغيف من الخبز زنته رطلًا في زقاق القناديل، كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج! خراج! فبلغ أربعة عشر درهمًا، وبيع أردب قمح بثمانين ديناراً، ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير”.

بعد ما قرأت عزيزي القارئ عن الشدة المستنصرية،، هل ما زلت تظن بأن فيروس كورونا هو أخطر ما مر على البشرية؟

صدقني إن قلت لك بأن البشرية وعلى مر العصور مرت بكوارث عظمى، واستطاعت التعافي والعودة أقوى مما كانت عليه، لأن الله سبحانه وتعالى قال: “إني جاعل في الارض خليفة”، فهو وحده من يحدد متى يزيل خليفته، وليس فيروس مصنع في مختبرات لغرض ضرب اقتصادات أو إنشاء نظام عالمي جديد.

في النهاية، أود أن أختم بذكر القائد الذي انتهت الشدة المستنصرية على يديه، والذي سمي باسمه أحد أكبر أحياء القاهرة ولا زال ليومنا هذا، إنه “السيد بدر الدين الجمالي” والذي سمي حي الجمالية بالقاهرة نسبة إليه وعرفاناً له بالجميل.

جاء بدر الجمالي بقواته الأرمينية من الشام، فسكنوا القاهرة التي كان قد قل تعداد سكانها كثيراً بسبب الأوبئة، كما قل تعداد سكان الفسطاط والقطائع في ذلك الوقت وتهدم معظمهما.

قام الجمالي بتنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة، ورفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى انتظام النظام الزراعي إلى كثرة الحبوب وتراجع الأسعار، وكان لاستتاب الأمن دور في تنشيط حركة التجارة في مصر، وتوافد التجار عليها من كل مكان.

أتمنى أن تكون في قصة الشدة المستنصرية، عبرة لنا في هذه الأوقات العصيبة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فهد زيدان كنوني

اسم الكاتب : فهد زيدان كنوني تعريف الكاتب : شاب مغربي مقيم باسبانيا. حاصل على الاجازة في تسيير المقاولات و في طور التحضير للماجستير في نفس التخصص. كاتب في عدة مواقع عربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق