مدونات

أزمة قيم وأخلاقٍ

حدثتنا كتب التاريخ عن أقوام عدة نقشت وجودها على هذه اليابسة، تنوعت أساليب عيشها واختلفت خصائصها، أتعبتنا مهمة تحديد وجودها على خط الزمن، إلا أن أهل الاختصاص يسروا المهمة واستندوا إلى أبحاث الأركيولوجيا والأنتربولوجيا، وإلى ذخيرة من يحفظون تاريخ الأمم في الصدور قبل الكتب.

تحملوا المسؤولية سعيًا منهم إلى حفظ مسار الأجيال القادمة، فمثلاً تحدث التاريخ عن قابيل وهابيل، وعن حضارة المغول وعلماء الإغريق، ونبش فطاحل العلماء في سير قوم عاد وثمود، وأماطوا اللثام عن سبب وفاتهم أو بالأحرى هلاكهم، كما أناروا عقولنا بحياة الأنبياء وخير البشرية، تعددت الأسباب والموت واحد.

كثيراً ما نقتفي مسار شخصية تاريخية، نتفقد محطات حياتها المليئة بالدروس والعبر، ونقتبس منها ما قد يصلح للواقع الحالي ويوافقه، قد نندهش أحياناً حينما نكتشف النفس البشرية في أبشع مظاهرها وأوضاعها، ننبهر لحنكتها ونفجع لمكرها وخداعها، إلا أن المصير الواحد والأوحد بعد كل الطغيان والظلم، وبعد الشرف والمجد هو الهلاك والرحيل دون رجعة، وداع أخير لا يتكرر.

بعيداً عن الكتب وعن اكتشافات الباحثين وعن سنن الأولين وفصول حياتهم، نكاد لا نصدق ما يحدث في هذا العصر من تقدم تكنولوجي وعلمي فاق كل التوقعات والاحتمالات، سارت التكنولوجيا مسرى الدم في عروقنا، بل أصبحت عضوًا زرع لينسجم مع أعضاء جسمنا.

تحقق له ذلك، بل احتل مرتبة متميزة من حيث الأفضلية، فالإنسان المعاصر لا زال يتشدق بكرامته وعفافه وبراءته مما لحق بالأمم السابقة من الجهل والتيه والضلال الفكري، يزعم أنه بوسعه توظيف العلم في وقت أسرع مما يمكن أن يتصور بنو جنسه في السابق، يتباهى بالهاتف الذكي والحاسوب المحمول أو باللوحة الإلكترونية.

هذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، ناسيًا أو متناسياً أن ذكاءه تمت سرقته وحمله في أجهزة إلكترونية، فيدعي بها الإنسان بلوغ المجد المنشود والرشد المبتغى، ويدعي أنه تخلص من براثين الجهل وعبادة الآلهة المتعددة، وأنه أخلص العبادة لله وحده، يبدي ذلك بطرق مختلفة ووسائل متعددة بنية صادقة أو لسمعة وهمية.

لكن ما صار إليه الناس يوم قدوم ضيف ثقيل على ميزانيتنا وخزينتنا جعل كل تلك المزايا والفضائل تنقلب رأسًا على عقب، هو ضيف أتى على الأخضر واليابس تاركًا خزينة الدولة المثقلة بالديون تتنهد لسويعات، بل لدقائق على إيقاعات شطحات جينفر لوبيز فوق منصة مهرجان موازين، شطحات أقل ما يقال عنها أنها دمرت آخر معالم الحياء، وسلبتها طبيعتها البشرية، تجسدت حينئذ نسخة الحضارة الغربية الفريدة والمتميزة، تميزها أتى على ثقافتنا الأخلاقية فاكتسحها كالنار في الهشيم.

تعالت صيحات الرجال والنساء هنا وهناك لاندهاشهم بمشاهد العري التي ما فتئت تصنف ضمن الطابوهات في ثقافتهم، وتمت معاينة انبهار الأطفال بالصور الإيحائية المجسدة لكل صفات الحيوانية لدى بني آدم، زلزلت المبادئ والقيم التي ما فتئت المؤسستان التربوية والأسرية ترسخانها في شخصيتهم، فمن الناس من تنازل عن برنامجه الأسبوعي، ومنهم من عدل كل التزاماته وواجباته، وذلك من أجل أن يحظى بوقفة أمام لوبيز قد لا تتكرر، ناسياً موقفاً عظيماً بين يدي الله لا يتكرر.

فبالنظر إلى أهمية الحياء والأخلاق في هذه الأمة، نتساءل عن ركائزها وثوابتها التي أصابها الانهيار، فأصبحت تعيش سكرات الموت الأخيرة، فمناعتها أصبحت عاجزة عن أداء مهامها ووظيفتها بامتياز.

فلا يخفى على كل ذي فطرة سليمة ما يمثله الحياء والحشمة في الرقي بالجنس البشري، فالعفة والشرف كانا أسمى ما يملك أسلافنا، فدافعوا عنهما باستماتة وصبر، فإذا كان من الواجب الحديث عن أزمة في هذه الأمة، فالأزمة الأخلاقية ضمنت حظها في المقدمة، فإذا دمرت الأخلاق، انتفت ركائز المجتمع ومبادئه، وانهارت القيم وتفشى الجهل، وسار الناس على خطى أجناس أخرى غير آدمية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق