مال و أعمال

أزمة الجزائر الاقتصادية

على غرار العديد من الدول، شهدت الجزائر تحولات اقتصادية واجتماعية نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عايشتها البلاد، والتي نسبت إلى انهيار أسعار المحروقات، في حين أن الأزمة الحقيقة في الجزائر هي عدم وجود اقتصادٍ قويٍ مبنيٍ بالدرجة الأولى على الزراعة؛ لما تزخر به الجزائر من أراضٍ زراعيةٍ خصبة، و الصناعة بالدرجة الثانية؛ لما تمتلكه الجزائر من مواد أولية، و السياحة و القطاعات الأخرى بالدرجة الثالثة.

و قد لجأت الجزائر من أجل تجاوز الأزمة إلى أسهل الطرق، كالتمويل التقليدي، وزيادة الضرائب، ورفع الدعم أو نسبة منه عن بعض المواد الاستهلاكية؛ لأن نتائجه آنية رغم ما يترتب عنه من سلبيات، كانهيار العملة، و ضعف القدرة الشرائية، في حين أنه يجب التركيز على وضع نموذجٍ اقتصادي قوي على المدى المتوسط و البعيد، مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب الرائدة في المجال كالتجربة اليابانية، والتي بنت نهضتها الاقتصادية على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ورغم أن الجزائر أنفقت مبالغ طائلةً في هذا المجال من خلال إنشاء هياكل الدعم، إلا أنها مزجتها قليلًا بالسياسة الاجتماعية، والتي أريدَ بها شراء السلم الاجتماعي في فترة عصيبة، كان لابد من إيجاد حلولٍ اجتماعية بأي طريقة، هذا ما أثر نوعًا ما على نجاح هذه الهياكل، و أدى إلى فشل العديد من المشاريع المدعمة قبل حتى بدايتها، و يعود القاسم المشترك الأكبر لفشل هذه المشاريع إلى الاختيار العشوائي للمشاريع، والذي لا يتناسب مع المؤهلات الذهنية و التقنية لصاحب المشروع، كذلك عدم وضع دراسةً منهجيةً مسبقةً للمشاريع هذا من جهة.

أما من جهة أخرى، فهناك العديد من المعوقات والتي يعتبر أهمها هو عدم غرس ثقافة المقاولتية لدى الأفراد خلال تدرجهم الدراسي، لتكون مخرجات الجامعات الجزائرية ومراكز التكوين المهني مهيئةً لولوج عالم المقاولتية، وعدم الاعتماد الكلي على الدولة في التوظيف.

كما أن البيئة والمحيط التي تعمل فيه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر، غير مؤهلةٍ مقارنةً مع الدول الرائدة في المجال، فلا تزال تلك التصرفات والعراقيل البيروقراطية والتي كانت سائدة في ظل الاقتصاد الممركز، تدفع بغالبية المؤسسات التابعة للقطاع الخاص لاتباع مسارات غير اقتصادية، كالتهرب الضريبي، و الغش، و التلاعب بطرق احتيالية؛ للحصول على ما هو حق لهم، سواء على مستوى التمويل، أو على مستوى تكوين ملفات الإنشاء، أو على مستوى الحصول على العقار.. إلخ.

قد يبدو أن هذه السلوكات عبارة عن خيارات حتمية في نظر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، في ظل التبريرات التي تقدمها الهيئات الأخرى بحجج قانونية أكثر منها اقتصادية، لذلك وجب تشجيعها أكثر من خلال توفير المحيط الآمن والملائم لها، وتشجع كبرى الشركات الوطنية والخاصة، على جعل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ممولها الرئيسي بالمواد الأولية والمواد النصف مصنعة والخدمات الأخرى، كما هو معمول في اليابان، وهو ما يطلق عليها بالتعاقد من الباطن، أو ما يعرف بالمناولة الصناعية، وكذلك تفعيل القوانين التي تساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كقانون 20% من المشاريع لصالح المؤسسات المستفيدة من هياكل الدعم.

يبقى أيضًا على هذه الهياكل إعادة النظر في الفئة المستهدفة والمستفيدة من الدعم، من خلال تشجيع حاملي الشهادات و خريجي الجامعات على الاستفادة من هياكل الدعم، والولوج إلى عالم المقاولتية؛ لتخفيف الضغط على الوظائف الحكومية من جهة، وامتصاص البطالة من جهةٍ أخرى، وكذلك مرافقة أصحاب المشاريع بمجموعة برامج تدريبية في مجال إنشاء وحسن تسيير مؤسسة، بالإضافة إلى توفير كل التسهيلات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ لتصدير منتجاتها من أجل تطوير نفسها، وجلب العملة الصعبة، وُضع تحت تصرفهم شبكة واسعةً من المعلومات، حتى تستفيد منها هذه المؤسسات، سواء تعلق الأمر بمعلومات محلية أو وطنية أو دولية.

وختامًا، يجب التأكيد على مجهودات الدولة، والمبالغ المصروفة في هذا المجال، لكن يجب أن يكون الهدف منها هو نسبة القيمة المضافة من هذه المؤسسات في الاقتصاد الوطني، وليس عدد المدعمين أو المبالغ المصروفة لذلك.

كما يجب اتباع التجارب الرائدة في هذا المجال، خاصة التجربة اليابانية الرائدة في دعم ترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ للاستفادة منها نتائجها والاسترشاد بها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

زكريا

مدرب دولي معتمد من المنظمة الدولية للعمل بجنيف في مجال انشاء و تسيير المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و نائب مدير غرفة الصناعة التقليدية و الحرف و أستاذ جامعي مشارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق