سياسة وتاريخ

أرادوه إسلامي الديانة.. حقيقة الإرهاب من المنظور السياسي

لفظ “الإرهاب” في حد ذاته غير محبب إلى الإنسان، وذلك لأنه ينطوي بدرجة ما على العنف أو على الأقل التهديد به، وأن هذا العنف يخرج غالبًا على القواعد المقبولة أخلاقيًا أو قانونيًا في المجتمع، ويجمع مفهوم الإرهاب كافة صور العنف المعروفة مثل الاغتيال، التعذيب، اختطاف الرهائن واحتجازهم، زرع القنابل والمتفجرات، اختطاف الطائرات، تخريب المنشآت العامة. فالإرهاب إذن هو شكل من أشكال العنف له خصائصه المميزة، وهو بهذا المعنى “أداة” أو “وسيلة”.

يستمد مفهوم الإرهاب توصيفه من علاقته بالسلطة السياسية في الدولة، وانقسام المجتمع إلى حاكمين ومحكومين، أو إلى سلطة تحكم وشعب يُحكم؛ وبهذا المعنى فإن الإرهاب كشكل من أشكال العنف يمكن أن يمارس من المحكومين إزاء السلطة السياسية الحاكمة، مثلما يمكن أن يمارس من جانب تلك الأخيرة إزاء الواقعين تحت سلطتها، بل ويمكن أن يمارس في علاقة الدول والمجتمعات بعضها ببعض.

ومثلما يمكن أن يمارس “الإرهاب” جماعة وطنية ثائرة ضد قوات وممثلي الدولة الأجنبية التي تحتل أرضهم، فإنه يمكن أن يمارس من جانب تلك القوة المحتلة تجاه أولئك المواطنين المدافعين عن بلادهم، ومثلما يمكن أن تمارس جماعة أو منظمة ثورية الإرهاب ضد نظام حكم استبدادي، فإن ذلك الأخير غالبًا ما يستند إلى الإرهاب في حكمه وفي تشديد قبضته على الشعب المبتلى به.

على أن التاريخ نادرًا ما عرف أحد الأطراف التي اعترفت باستخدامها للإرهاب، ليس فقط لأن الإرهاب مجرد “أداة” أو “وسيلة”، وإنما لأن تلك الأداة تثير الاشمئزاز والتنافر. فالنظام السياسي المستبد يلجأ للإرهاب تحت مسمى (الحفاظ على الأمن القومي وحماية الوطن والشعب)، كما أن السلطة الاستعمارية تمارس نفس مفهوم الإرهاب تحت شعار (حفظ الأمن والنظام). وفي المقابل فإن القوى المعارضة للنظم المستبدة قد تلجأ إلى الإرهاب باسم (التحرر والثورة)، وتلجأ إليه حركات التحرر الوطني باسم (تحقيق الحرية والاستقلال).

وفي الوقت الذي يحجم فيه الطرف الذى يستعمل الإرهاب عن التصريح أو الاعتراف باستعماله، فإن الطرف المقابل الذي يتجه إليه الفعل الإرهابي يهمه تمامًا أن يكشف ذلك بكل قوة، فالنظام السياسى المستبد والقوة الاستعمارية المحتلة لا تجد وصفًا أكثر فعالية – في تشويه صورة الثوار والمقاتلين من أجل الحرية – من وصفهم بأنهم إرهابيون حتى وإن لم يلجأوا فعلًا إلى الإرهاب، كما أن الثوار والمقاتلون من أجل الحرية لا يجدون وصفًا يفضحون به القوة الغاشمة التى تواجههم أكثر دقة من وصفها بأنها “إرهابية”.

الإرهاب من منظور الشرق:

مفهوم الإرهاب في اللغة العربية هو الإفزاع والإخافة، وتأتي من أصلها “رهب” بمعنى خاف أو رعب، وقد خلت المعاجم العربية القديمة من كلمات “الإرهاب” و”الإرهابي”، ذلك أن تلك الكلمات حديثة فى الاستخدام، وبالتالى لا وجود لها فى تلك المعاجم وإن كان قد وردت مترادفات لهذه الكلمة في القرآن الكريم بعدة معان، ففي سورة “البقرة” (آية رقم 40) نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”.

وفي سورة “النحل” (آية رقم 51) يقول تعالى: “وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ”.

وفي سورة “الأنبياء” (آية رقم 90) يقول تعالى: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ”.

وفي سورة “الأعراف” (آية رقم 116) يقول تعالى: “قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ”.

وفي سورة “الحشر” (آية رقم 13) يقول تعالى: “لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ”.

وفي سورة “الأنفال” (آية رقم 60) نقرأ: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ”.

وفي شرحه لهذه الآية الأخيرة يقول الإمام القرطبي، في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن”: “إن قوله تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم) هو أمر من الله سبحانه للمؤمنين بإعداد القوة للأعداء، وأن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام وبحفنة من التراب، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ، وكل ما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك. أما قوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) فهو يعنى تخيفون به عدو الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب”.

من هنا، نجد أن مفهوم الإرهاب وفقًا للرؤية الإسلامية ومعناه تختلف عن الرؤية الإلحادية؛ لأن إرهاب العدو وإعداد القوة لمواجهته هو أمر قرآني واضح، ولكن يجب التفريق في أنه يكون في مواجهة العدو الذي يحاول القضاء على الإسلام والمسلمين.

مفهوم الإرهاب من وجهة النظر الغربية:

لقد حدد “قاموس أكسفورد” الجهة الممارسة للإرهاب وكذا الجهة الممارس ضدها، فقد ذكر أن هذا الإرهاب أي الخوف أو العنف أو الفزع قد يمارسه شخص أو منظمة ضد الحكومة أو ضد الأفراد أو الأطفال. وفي قاموس أكسفورد تعريف آخر للإرهاب: على أنه “حكم عن طريق التهديد”. ونلاحظ أن هذا التعريف قاصر على الجهة الممارسة للإرهاب وهي الحكومة أو الحزب الموجود في السلطة؛ نظرًا لاقترافه القمع وتصفية المعارضين وقتل وتدمير المدنيين.

ونلاحظ أن هناك تقارب كبير بين مفهوم الإرهاب باختلاف تعريفاته في قواميس اللغة من حيث الخوف والفزع والتهديد، سواء في ذلك لسان العرب لابن منظور، قاموس أكسفورد الإنجليزي أو القاموس المستعمل في اللغة الفرنسية. إلا أن هناك بعض الفوارق التي يجدر الإشارة إليها وهي: عدم تحديد الجهة الممارسة للإرهاب والواقع عليها. وقد ورد تحديد الجهة التي يمارس ضدها الإرهاب في القرآن حيث قال: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) وفى السنة: (نصرت بالرعب).

فالتعريف العام لكلمة (رهب) في اللغة العربية لم يحدد الجهة الممارسة ولا الممارس ضدها الإرهاب، أما القرآن الكريم فقد ذكر أن إدخال الرعب والفزع في قلوب الأعداء أمر محمود واجب يثاب المسلم عليه ويأثم بتركه، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب) أي نصره الله على الأعداء بإدخال الرعب والخوف في قلوبهم كي لا يفكروا في الإغارة على المسلمين، كما يحدث اليوم. إذن فالسنة النبوية قد حددت الجهة الممارس ضدها الإرهاب.

أما مفهوم الإرهاب في قاموس اللغة الإنجليزية، فقد حدد قاموس أكسفوردآنف الذكر- الجهة الممارسة للإرهاب وكذا الجهة الممارس ضدها، فذكر أن هذا الإرهاب أي الخوف أو العنف أو الفزع قد يمارسه شخص أو منظمة ضد الحكومة أو ضد الأفراد أو الأطفال، وفي القاموس نفسه يوجد تعريف آخر للإرهاب وهو أنه حكم عن طريق التهديد، كما وجهه ونفذه الحزب الموجود في السلطة في فرنسا إبان ثورة 1789، 1794. وعند تمحيص التعريف نرى أنه اقتصر على الجهة الممارسة للإرهاب وهي الحكومة أو الحزب الحاكم، ويعني به حكومة فرنسا آنذاك؛ نظرًا لعنفوان الثورة الفرنسية.

أما مفهوم الإرهاب في القاموس اللغوي الفرنسي المتداول: نعتقد أن التعريف الفرنسي للإرهاب أكمل من الإنجليزي، ذلك أنه لم يقتصر على إرهاب الأفراد والمنظمات والمجموعات فحسب، بل اعتبر أي عمل عنيف من طرف الدولة ضد شعبها – مثل فرض حالات خاصة لإهانة المواطنين – إرهابًا، بل تعدى التعريف إلى اعتبار الكبت الفكري نوعًا من أنواع الإرهاب. والخصوصية التي ميزت التعريف الفرنسي هي إطلاق مسمى إرهابي على الأشخاص والمجموعات والأعمال في حد ذاتها، مما يتيح إمكانية إدخال أية ممارسة مخلة بحقوق الإنسان ووسمها بالإرهاب، ولو كانت الدولة هي المعنية. (مفهوم الإرهاب في الفكر الإنساني – د. طاهر مهدى – بحث منشور على شبكة الإنترنت).

أما الدكتور عبد الوهاب المسيرى، فيقول عن مفهوم الإرهاب في موسوعته الشاملة “اليهود واليهودية والصهيونية”، ما يلي: “العنف هو الشدة والقسوة، وهو ضد الرفق واللين، وعنّف بمعنى عامل بشدة وقسوة، وأحد الأشكال الأساسية لـ”العنف الصهيوني” هو رفض الصهاينة قبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة، ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية غير اليهودية المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية. والإرهاب الصهيوني ما هو سوى محاولة تستهدف فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب، ولذا يمكن القول أن الإرهاب هو العنف المسلح مقابل العنف الإدراكي” (المجلد السابع – الجزء الثالث – ص 127 وما بعدها).

اقرأ أيضًا: بين الإرهاب والكراهية هناك حديث

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق