مدونات

أدمغة الصغار متنفس أسرار الكبار

أسرار حياتنا الخاصة التي تعنينا كالصندوق الأسود المقفل بعدة أقفال خوفًا من كشف ما بداخله بسهولة، أسرارنا سترنا والستار الذي إن تم إزالته تغيرت أوضاع وحالات وأمور كثيرة، أغلبها إلى الأسوأ، أسرارنا التاريخ الأسود الذي قد يكون منه القليل من الأبيض، أسرارنا أمانة ونحن خير أمناء على أسرارنا من غيرنا.

إننا بعناية شديدة وبعد تفكير طويل وبعد المرور والوقوع في تردد وتوتر رهيب نصل إلى اختيار المناسب الغير ثرثار، قليل الكلام، المؤمن الصالح، المتخلف الأمين الذي وثقنا به بعد مروره على العديد من التجارب والاختبارات والامتحانات التي أوصلتنا إلى اختياره وتعيينه على أنه شريك بالسر، وهذا قليل ما يحدث في وقتنا وزمننا هذا من حيث أننا نجد من بالفعل خير أمين على أسرارنا، فليس كل سامع للسر ساتر وكتوم وحافظ وأمين، ومن هذا أصبحنا نفضل أن تبقى أسرارنا بحوزتنا وبين أيدينا وفي حضننا الآمن، الذي لا يتوصل إليه أحد إلا بإذن ورغبة مريحة منا، وهذا من النادر ما يحدث الآن.

إن السر إن كتمناه وحفظناه طويلاً أتعبنا وأرهقنا ويزيد من شغفنا ورغبتنا الشديدة الملحة في الفضفضة والبوح، الذي من خلاله يتم فتح أبواب صندوق وخزانة السر لنرتاح، وقد يتم كشف أسرارنا من خلالنا وبلساننا دون قصد، من ودون شعور نجد أننا قد نطقنا بالذي لا يقال، أما أن الوقت غير مناسب أو المكان غير مناسب أو الشخص غير مناسب، فتكون زلة لسان قد تكلفنا الكثير والكثير.

لذلك صاحب السر يكون جد حريص وحذر ومركز ومنتبه في كلامه مع أي أحد، والجميع حتى أقرباء كانوا أو غرباء مع أننا كثيرًا ما نقع في ضعف مع الغرباء؛ لأنهم لا يعرفون عنا الكثير، وإن بحنا بأسرارنا لهم وأمامهم، فلن يضرونا ولن يوصلوا ذلك السر لمن حولنا، أو حتى يستعملونه كنقطة ضعف يتم استغلاله وممارسة التهديد بها لغرض وأمر ما يريدونه منا أو عن طريقنا.

اليوم باتت أسرار الكبار عند الصغار، فكم من كبير هو للصغير يحكي ويشكي ويقول ما بداخله دون تفسير وتوضيح وشرح طويل، لعدم تلقيه أسئلة واستفسارات توضح أكثر، فالصغار لم يصلوا بعد إلى تركيز وانتباه وحيل الكبار، فهذا ما يشجع الكبير على أن يقول سره للصغير، لا من أجل حفظه عند الصغير وإنما كنوع من فتح النافذة على السر للتهوية والتنفس ورؤية النور لبعض الوقت.

إن الكبير يجد الأمان عند الصغير، فتصبح أسرار الكبار عند الصغار دون الانتباه لنقطة؛ أن ذاكرة الصغار قوية وتحفظ وتلتقط الكثير سواء كانت مهمة أو غير مهمة.

لجوء الكبار بوضع أسرارهم عند الصغار جاء نتيجة خوف ورعب وعدم ثقة وشك بالجميع وخاصة الكبار، فهو ليس عنده الشجاعة ليقف ويقول أنا كذا وكذا وأسراري ها هي، فلا عاقل يتصرف مثل هذا التصرف وإن تصرف فهو بالعاقل المجنون، كما أن الصغار قد شجعوا الكبار ومنحوهم الثقة والأمان القادم من براءة حقيقية صافية ونقية لا يشوبها لا عيب ولا سوء ولا قبح.

متى كان سر الكبير عند الصغير، فالكبير من وجهة نظره أنه فضفض وأزال ذلك الثقل الذي تولد، وكان من السر والأسرار التي ركنت طويلاً.

السر اليوم من الأمور التي يعتني بها صاحبها ويهتم بها الاهتمام الكلي ليحافظ على سترها وكيانها الخاص السري، فالنفوس أصبحت تهوى النبش في الدفاتر لأخذ ما يفيدها كورقة ربح تضر صاحب السر، وتفيد وتنفع الفاصح الكاشف.

أسرار الكبار عند الصغار تنفع متى كان الاقتناع والقناعة والرضا والأمان والاطمئنان متوفرًا وموجودًا، ولا يضر وإن غاب الذي يجلب النفع والفائدة، فالأسرار التي بجيب الصغير إن لم تنفع لن تضر.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق