ثقافة وفنون

أدبية المسرح

“استهوى المسرح إليه إبان فجر النهضة الفنية غير قليل من الأدباء الذين برعوا في الشعر أو في النثر سواء منهم من كان له إلمام بالفنون المسرحية ومن لم يكن له منها حظ.”

هكذا بدأ محمود تيمور مقاله بعنوان “من رواد المسرحية العربية” مقدمة بسيطة لكنها تطرح العديد من الأسئلة التي راودت المفكرين العرب ولازالت حتى أيامنا هذه.

“من رواد المسرحية العربية” هو مقال من ثمان صفحات نشر لمحمود تيمور في مجلة الفكر التونسية في عددها الثامن في شهر ماي 1962. ولاقى هذا المقال عند صدوره اهتماما كبيرا من الأدباء والمسرحيين العرب لما طرحه من اهتمام بتكون المسرح العربي على أيدي ثلل من الشعراء والأدباء. وقد طرح هذا المقال أفكارا عديدة ناقشت علاقة المسرح بالشعر والشعراء وناقشت اعمالهم وذهب تيمور في سبيل الطرافة حتى لذكر صفاتهم.

كان أول اسم ذكر في هذا المقال هو الشيخ “محمد عبد المطلب” وهنا ناقش محمود تيمور مسرح شاعر اتسم بالبداوة في أشعاره ورغم فخامة ألفاظه وتأصله في رسم الصور الشعرية العتيقة ونجاحه في تقليد شعراء الجاهلية فلم ينجح في ترك اثر في تاريخ المسرح العربي لافتقاده لتقنيات البناء المسرحي وقد ذكر تيمور:

ولم تكن الحرفية المسرحية موفورة فيما بنى من عمله الروائي ولذلك نبأ به المسرح واقتصر أثره على من استمتعوا به من القراء.

يبدو أن تيمور كان ممن استمتعوا بكتابة الشيخ محمد لكنه أشار إلى أن جمال النص واللغة غير كاف لبناء نص مسرحي ثم ذكر الشيخ “عبد الله العفيفي” الذي ولج المسرح عبر التاريخ وبرع في تمثيل التاريخ بطريقة مسرحية حتى أن “يوسف بيه وهبي” وفرقته مثلوا مسرحية من تأليفه عن حياة الخليفة العباسي الهادي ويبدو أن العفيفي كان أقرب بني عصره إلى الفن المسرحي لكن الإشكال الذي يواجهنا في مسرحه هو غياب الخلق والابتكار والاقتصار على التوثيق والتاريخ والوقوف عند السرد والتشخيص للأحداث بلغة فصيحة وبليغة لكن دون إفاء روح الابداع واستمر الادباء في هذا الأسلوب ومسرحوا التاريخ وسردوه وقد برز كذلك “علي احمد باكثير” الذي لاقى اكبر نجاح بين المسرحيين فقد ظهرت في مسرحياته نزعة جديدة حلل فيها الاحداث واضفى لشخصياته خلفيات وتعقيدات كما ابرز الجانب العاطفي لشخصياته بأسلوب خلاق ومن اشهر اعماله “مسمار جحا” و”سلامة القس” و “وا اسلاماه”.

ومر تيمور على النقلة النوعية التي شهدها المسرح العربي عبر “بيرم التونسي” فاعتبر بيرم مدرسة قائمة الذات وسمى أسلوبه الأدبي أدبا “بيرمي” وهنا نجح بيرم التونسي في إخراج المسرح من دُور المثقفين ومجالسهم إلى عامة الشعب فقد صور الحياة الشعبية باللغة الدارجة وأبدع في مزج أسلوب حياة عامة الشعب النابض بعذوبة اللغة وجمالها والإبداع في رسم المواقف والصور الحياتية لكن ذكر محمود فكرة في غاية الأهمية بقوله: “وإذا كانت اللهجة التي كتب بها بيرم أدبه تلك اللهجة العامية لن يكتب لها الاستقرار ولن تبقى دلالاتها اللفضية وحيويتها المعنوية فان الأدب البيرمي سيدعو النقاد والمؤرخين في عصر بعد عصر إلى كشف اللثام عما حوى من مشاعر حية ومن صور طريفة ومن تعبير خلاب” وهنا تظهر قدرة الكاتب والمثقف على التنبؤ بمصائر الأنماط الأدبية فرغم أن العامة كانوا ينظرون لمسرح بيرم كمسرح سيعمر لقرون إلا أن اللهجة العامية غير ثابتة ومتغيرة وفعلا ربما نسي الناس مسرح بيرم ولكن هذا المسرح الفريد مزال حتى الان مركز اهتمام وبحث وتمحيص.

وهنا أسمح لنفسي بالاجتهاد في نقاش أفكار تيمور ويبدو اننا نعيش حركة مسرحية تذهب في جلها إلى استعمال اللغة العربية كجزء من العمل المسرحي وتتخذ اللهجات العامية عنوانا لها فالمجتمع مقبل على ما يقدم له بالعامية اكثر من الفصحى وهذا يعود لرسميتها وحتى لعدم القدرة على الفهم احيانا كما يعود هذا إلى ضياع اللغة العربية في الكتابة المسرحية أمام صعود اللهجات الدارجة ونجاحها المستمر لكني شخصيا اعتبر هذا النجاح نجاحا مصطنعا فعاميتنا ليست عامية بيرم واللهجات الدارجة ليست لهجة واحدة فهي تتطور دائما وتذهب لتهجين الكلمات من مختلف اللغات فعندما نجحت عامية بيرم فهذا نجاح لعامية بيرم لوحدها وليس للعامية كلها.

ثم يعود تيمور للعربية ليتعمق في مسرح “أحمد شوقي” أمير الشعراء وهنا يؤكد أن شوقي نجح في وضع دعائم الكتابة المسرحية في الشعر العربي وأسس ما يسميه الكاتب بالشعر المسرحي فقد نجح في جلب القراء وحتى المستمعين للاستمتاع بجمال اللغة العربية وبلاغتها وحذق الشاعر لها بأسلوب مسرحي دعائمه وطيدة ولم يقف شوقي عند استمداد مسرحياته من التاريخ العربي ولم يقف حتى عند خلق مقومات مسرحية لهذا الموروث بل اضاف اليه نزعات تحررية حديثة ومفاهيم ومبادئ وطنية عصرية اما اهم اعماله في ميزان النقاد كانت مسرحية “مجنون ليلى” لما تضمنته من اجتهاد واضح في بناء شخصية المجنون بالاخص في جانبها العاطفي ولما حملته الشخصية من مشاعر وحيوية.

ينهي محمود تيمور مقاله بأديب يدعى “توفيق الحكيم” وقد ذهب إلى تحليل مسرحه وهو في اوج عطائه في فترة كتابة المقال. طرح تيمور ثلاث عناوين هامة نفهمها عند القراءة والاولى ان الحكيم استفاد من كل التجارب المسرحية التي سبقته وطور فيها فأضاف تركيزه العميق على القضايا الاجتماعية والقضايا الفكرية. العنوان الثاني انه قدم طرحا شديد الواقعية في مسرحياته لكن هذا لا يمنع ان الكتابة المسرحية للحكيم كانت متفجرة بالقدرات الابداعية وبالخلق الفني والأدبي. ويعيد محمود هذا لخلفية توفيق الحكيم القانونية اما العنوان الثالث انه ازال الاهمية عن الجانب الفرجوي للمسرح واكد مرة اخرى عن اهمية جودة النص فاصبح الناس يتهافتون على قراءة مسرحيات الحكيم فور أن ينشرها في الصحف او يجمعها في كتاب أو مجلد.

الكتابة المسرحية العربية كتابة قائمة الذات منفصلة عن باق اللغات  تتفرد بثراء الفصحى وطرافة العامية وقد ساهم الكثيرون في تطوير بناء هذه الكتابة سواء كانوا من خلفيات ادبية او مسرحية فمن المستحيل الفصل بين الموروث المسرحي والموروث الأدبي والشعري وهذا يؤكد اهمية هذه اللغة فنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى