تكنولوجيا

أخلاقيات التعلم عن بعد!

في عالم الجائحة الكورونية تحولت الحياة حول الكرة الأرضية من التواجد الدائم في أماكن العمل وقاعات الدراسة إلى غرف النوم وصالات المنازل.. تحولت كل أنشطتنا الحياتية من الأطر الجماعية إلى شاشات الكمبيوترات الشخصية من أجل مواجهة انتقال الوباء المخيف عبر الاختلاط والمواجهات الشخصية مع الآخرين والنأي بأنفسنا من تداعيات انتشار الوباء قدر المستطاع.. لكن مع هذه الإجراءات الاحتياطية المفروضة علينا سواء بشكل عام أو خاص، تركت علينا هذه التجربة آثاراً سلبية، وبشكل خاص من وجهة نظري كأكاديمي “مخضرم”، على العملية التعليمية وجدية التحصيل العلمي وأيضا على مستوى اكتساب المهارات الحياتية.

فمع بقاء التلاميذ وطلبة الجامعات في عزلتهم خارج قاعات الدراسة التقليدية نشأت معضلات تعليمية وأدبية وأخلاقية لم نكن نحسب لها حسابات صحيحة.   لسنتين متتاليتين حتى الآن تحولت التجربة التعليمية من واقع استمر لمئات السنوات إلى مستوى آخر فيه الكثير من التساؤلات المشككة في جدية التحصيل العلمي وفي حقيقة نتائج عمليات التقييم والاختبارات التي لم تعد تعكس المستوى الحقيقي لأداء الممتَحنين عبر شاشات التواصل عن بعد، وبعيدة عن المتابعة الصحيحة في جوانبها الأخلاقية.

كانت المدارس والجامعات وبشكل عام تتطلب وتصر على إلزامية الحضور والتواجد الفعلي في الصفوف الدراسية لأن للتواجد الفعلي بين الأقران وزملاء الفصول مكاسب عديدة، بعضها أعمق وأبعد بكثير من مجرد التحصيل العلمي للمواد الدراسية.. فهنالك مهارات جمة يكتسبها التلاميذ عبر التواجد الفعلي مع المجموعات المشتركة في قاعات الدراسة.. منها، على سبيل المثال، تعلم مهارات العمل الجماعي والتعاون والمشاركة وتبادل الآراء والنقاش المفتوح وتعلم قبول الاختلاف في الرؤى والأفكار، وهي كلها تصب في النهاية في بوتقة المهارات الحياتية وأخلاقيات التفاعل الناجع وتعتبر من أهم المقومات المطلوبة للتعايش في المجتمع.   حيث نحن كافة بحاجة لتعلم مهارات التعامل مع الآخرين وتحّمل الاختلافات الفكرية أو المذهبية والعقائدية، بل وتقّبل الفروق الفردية بين البشر في كافة مناحي ممارسات الحياة اليومية.

فمع الانعزال فقدنا روح التعاون والعمل الجماعي.. فقدنا القيمة المكتسبة من الولوج في مناقشات الأفكار وتبادل الآراء وتقّبل الاختلافات والتعلم من الأسئلة والتساؤلات الناتجة من مختلف العقول المشاركة في كل نقاش.. وربما معها فقدنا التثقف من ثقافات الغير والنظر إلى الأمور من زوايا جديدة غير نظراتنا المحدودة، والتي من خلالها نكتسب الكثير من وجهات النظر ولو كانت بجرعات صغيرة، لكن مختلفة وجديدة، ناتجة عن حتمية “تصادم” التفكير الجماعي.   فالمشاركة الفعلية بين أي عدد من العقول المفكرة تصب في آخر المطاف في وعاء مشترك، وتفتح الآراء المتفاوتة أبعاداً جديدة ومختلفة للنظر للأمور وتقييم الأفكار واكتساب العلوم والمعلومات والمعارف من أكثر من زاوية محدودة أو محصورة عند كل فرد.. فثراء تعدد النظرات والأفكار مكسب هام لا يجب أن نستهين به.. فنحن في الأخير لا نعيش في مجتمعاتنا كأفراد منعزلين، بل نحن جزء من الجماعة التي ننتمي لها وكل أمورنا الحياتية مرتبطة بخياراتنا ضمن خيارات كافة الأفراد المحيطين بنا ضمن إطار العائلة والمجتمع والوطن، بل والعالم بشكل عام.

أنا لست ضد فكرة التعلم عن بعد أو حتى فكرة الدراسة المفتوحة، ولكني أشعر بالأسى حين لا تكون العملية التعليمية شاملة للتحصيل المعلوماتي وبناء المهارات الحياتية الضرورية لمواجهة الحياة الفعلية خارج قاعات الدراسية أو بعد ذلك في الحياة العملية. ففكرة الحضور إلى مواعيد الحصص والمحاضرات عند أوانها وفي مواعيدها المعينة نتعلم أسس الالتزام بالمواقيت وإدارة الوقت واحترام التواجد في أماكن العمل حسب المواقيت المطلوبة.. يكفينا أننا بشكل عام نفتقر لخاصية احترام المواعيد وأهمية الوقت في مجمل مناحي حياتنا اليومية.. فاحترام قيمة الوقت خاصية تفرق بين الحضارات المختلفة، ونحن كثيراً نستشهد بهذه الخاصية في حديثنا ونظرتنا لبعض الحضارات الغربية المتقدمة مقارنة بحضاراتنا الشرقية التقليدية التي لا تظهر كفايتها من الاهتمام بهذا الجانب الهام في تعاملنا مع الآخرين.

خاصية احترامنا للوقت والمواقيت والمواعيد نكتسبها رغماً عنا ضمن المهارات المكتسبة للحضور الفعلي إلى الفصول الراسية ومعها الالتزام بتقديم الواجبات والامتحانات وغيرها في مواعيدها المحددة.. فمنها يتعلم الموظف لاحقاً أهمية انجاز مهامه الوظيفية في أوانها ويتعلم أهمية عدم إضاعة وقت العمل ووقت المراجعين لما لكل ذلك من تراكمات مترتبة عليها بسبب التأخير والتأجيل وضياع الجهود والمال وخلق أجواء غير صحية بشكل عام.

وبسبب الاعتماد الكبير خلال السنتين الماضيتين على التعلم عن بعد، لم نعد نثق بتاتاً في مستوى الاكتساب العلمي لطلبة المدارس ولا في عمليات التقييم التي تُجري من خلف شاشات التواصل عن بعد.. ولا أعتقد بأننا نختلف اليوم على أن الكثير من هذه الإجراءات تنقصها المتابعة الجادة فيمن يقومون بالفعل بعمليات تقديم الاختبارات في منازل الطلبة.. هل هم الطلبة أنفسهم أم من خلفهم تقف طوابير من الأمهات والآباء والأخوة؟   أي أننا رغم كل جهودنا في حماية أبنائنا من الجائحة المستفحلة، لم نعد نحميهم من اكتساب وتبني الأفكار السلبية الناتجة من عمليات الغش والخداع والتملص من ضغوط التقييم الدراسي.. أي أن جيلاً كاملاً من الأبناء باتوا يرون أن للغش والخداع مكاسب مشروعة وهي قد باتت ممارسة مقبولة بل ويشترك فيها كافة أفراد الأسرة من أجل جني نتائج “طيبة” و “مُرضية” و “مقبولة”.. بل يكاد التحصيل العلمي أيضاً تشوبه الكثير من الشكوك في مصداقيته الفعلية!!

لقد أدخلتنا جائحة “الكورونا” في عالم فيه الكثير من السلبية الأخلاقية الناتجة من تعاملنا الغير حضاري.. فمن الناحية الأكاديمية، لم يعد هنالك ثقة لا في تحصيلنا المعرفي ولا في مكاسبنا المهارية الحياتية من التواجد الفعلي في الفصول الدراسية، ومعها بتنا نعايش واقع قبول ممارسات الأهل من عمليات الغش الجماعي.. فتخيلوا معي كيف سينظر هذا الجيل من الأبناء إلى مستقبل الحياة وهي مبنية على مكتسبات غير حقيقية وعلى نتائج علمية لا تعكس بالفعل نتائج واقعية.. ومعها يتعلمون ممن حولهم بأن الحياة يمكن لها أن تسير وتمضي بكافة أشكال الخداع والتظليل المقبول اجتماعياً، طالما النتائج “مفرحة” وغير مستهجنة من أولياء الأمور بالمقام الأول.  وأغلب أولياء الأمور يعترفون صراحة بتعاملهم الغير أخلاقي تجاه هذه المسألة وعذرهم “الذي هو أقبح من ذنبهم” هو أن الكل قد بات يمارس هذه الممارسات وأنهم بدورهم كما الكل يعينون أبنائهم على اجتياز المقررات والامتحانات حتى لا يقع عليهم الظلم مقارنة بالآخرين، وهم في الواقع يظلمونهم من حيث لا يعلمون.

بل وحتى المدرسون أنفسهم يعترفون بهذا الواقع.. وقد يرى البعض منهم بأن واجبهم الأخلاقي ينحصر فيما يتلقون من طلبتهم دون الحاجة للولوج في حيثيات ما يجري خلف شاشات التواصل، لما قد ينتج من ذلك من تصادم من أهالي الطلبة هم في غنى عنه.. وقد تعتمد بعض الجهات التعليمية بعض الإجراءات المتاحة في محاولة الحد من عمليات الغش، لكن الواقع يبقى أنها محاولات تكاد تكون غير مجدية لأن أغلب المدرسين ليسوا بالضرورة ملمين ومن ذوي الخبرة في التكيف مع والسيطرة على ممارسات طلبتهم ومن ورائهم أهاليهم ممن يتفننون في إيجاد المخارج والابداع في التهرب من اكتشاف وسائلهم الخادعة، لدرجة أن بعض المدرسين (ولو من باب السخرية) باتوا يبررون سكوتهم على فنون الغش المبتكرة بأنها في حد ذاتها تستحق الإشادة!

فمع جائحة الكورونا بتنا نعيش جائحة دمار وضياع شامل باتت تجتاح عقول جيل كامل من طاقات المستقبل وبتنا اليوم نتقبل نتائج معرفية منقوصة ومعيبة مبنية على سلبيات جمة بسبب جهل أولياء الأمور من جانب، وافتقار الجهات المسئولة عن متابعة الأمور بشكل حضاري ناجع.. وأميل هنا لبعض الشيء في عدم القاء كافة اللوم على أولياء الأمور من منطلق أنهم بشكل عام ليسوا أكاديميين ويفتقرون لأبسط أخلاقيات التعليم ولا يدركون فجاعة ممارساتهم السلبية تجاه أبنائهم وأهمية تحصيلهم المعرفي لأنهم يعانون من وضع لم يعهدوه من قبل.. وحقيقة أن تواجد الأبناء في البيت انما هو مصدر لمزيد من المسئوليات اليومية التي لم يتوقعوها أساساً.. فهل بعد عودة الأوضاع السابقة إلى عهدها سنجني صعوبات (أيضاً جديدة) بسبب تداعيات وتراكمات هذه الممارسات الغير سليمة طوال السنتين الماضيتين؟

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.
زر الذهاب إلى الأعلى