سياسة وتاريخ

أخطر خمس سنوات في تاريخ الصراع بحوض النيل (1)

يمثل الصراع على مياة النيل تاريخًا طويلًا  باعتباره صراع وجود، حيث أنه قائم منذ القدم ولا يزال، وقد سطّر لنا التاريخ ملاحمًا أسطورية تعكس معنى ونتيجة الصراع الأبدي، ولِم لا وقد احتلت المياه في أيامنا الحالية مكانة ترنو أن تكون في مقدمة كل الاهتمامات التي يناقشها المجتمع الدولي.

ويرجع السبب في ذلك إلى الندرة، وأيضًا سوء التوزيع والاستهلاك، أضف إلى ذلك التلوث، ناهيك عن مطامع الساعين إلى الهيمنة والسيطرة وفرض الأمر الواقع من خلال ورقة المياه التي أصبحت رابحة خلال هذه السنوات الأخيرة، كونها تحولت إلى أحد أدوات الضغط السياسي الاقتصادي الذي تمارسه بعض الدول خاصة التي تسيطر على منابع الأنهار  (العناني، 2013)[1].

ولهذا تعتبر فترة الاستعمار الحديثة من أهم فترات هذا الصراع، والتي يقول عنها الأكاديمى النرويجى وأستاذ التاريخ العلمى بجامعة أوسلو بالنرويج، ترجى تفيدت: “استغلت الحكومات الأوروبية خلال فترات السيطرة الاستعمارية على القارة الأفريقية عمومًا، وفي حوض النهر بشكل خاص، في إدارة تقسيم مناطق نفوذ محددة لسهولة السيطرة عليها، ومن ثم التحكم فى مقدرات شعوب حوض النيل”.

وأضاف “تفيدت”، معبرًا في كتابه “النيل في العصر البريطاني”: “كما استخدمت مياه النيل عامل ضغط على حكومات تلك الشعوب سواء قبيل ترسيم الحدود من قبل المستعمر، أو بعد محاولات الشعوب خوض معارك استقلالها السياسي والاقتصادي على حد سواء”(تفيدت، 2019)[2] .

هل ستكون إثيوبيا حارسة النيل لصالح إسرائيل؟

وفق هذه الفترات التاريخية الحرجة، تمثل فترة ما بين 2010 إلى 2015م أدق وأخطر فترة في مرحلة الصراع على مياة النيل في القارة السمراء؛ وذلك لأنها تتسم بالديناميكية والسرعة ومحاولة الحسم بنتائج على الأرض، كبناء سد النهضة وبدء التعبئة، وأيضًا لتنوع أطراف الصراع، فيتسم بعضها بالعملية والإنجاز، والبعض الآخر بالاتكالية أو الخيانة على أدق وصف.

بدأت هذه المدة الزمنية بمحاولة البناء وانتهت بإعلان المبادئ في الخرطوم، في مارس 2015، ليكون الخلاف على سنوات الملء وليس على وجود السد أصلًا ومدى قانونيته. تلك الفترة شكلت لدى المتابعين لغزًا حائراً بسبب تحول المواقف من القوة لدى مصر والسودان إلى مواقف الضعف.

وماذا دعا مصر إلى أن تتوسل أثيوبيا وتدعوها إلى التفاوض لأكثر من مرة، والأخيرة تتمنع وتراوغ؛  مما جعل القاهرة تجلس في موقف الضعف بعدما كانت تملك زمام القوة والتأثير في القرار في القارة السمراء، فضلًا عن نهر النيل. وما هي أسرار التحول التي أمدّت أثيوبيا بقوة لتتفرد بالسيطرة وقوة المواقف؟

لذا تعتبر الخمس سنوات هي الإجابة على لغز التحول في الصراع على مياة النيل لما حوته هذه الفترة من أسرار تغيرات، أقل ما توصف أنها أضاعت حق أجيال كاملة عند تعاطي الملف، سعيًا وراء دبلوماسية وتواجد دولي زائف تحت شعار حسن النية.

وفي المقابل، هل إسرائيل سارعت بالدعم والاستشارة للملف مع أثيوبيا، وهل إدارة التفاوض كان ملفًا إسرائيليًا بعقلية صهيونية بامتياز في كل مراحله؟

إذا كانت  فترة الاستعمار السياسي للقارة السمراء محطة أساسية في تاريخ الصراع، أيضًا تعتبر فترة الاستقلال فترة مهمة بل أخطرها لأن القائم بالأعمال هو الأصيل وليس المستعمر، ذلك أن القرارات المتخذة من قبل الدولة نفسها ينبغي أن تكون في الصالح العام للدولة كشعب وأرض ونظام سياسي.

تاريخ الحضور الإسرائيلي في ملف الصراع على مياة النيل

سعت إسرائيل ومنذ القدم إلى فرض الهيمنة الاستعمارية على معظم الدول العربية سيما الإفريقية منها، وخاصة تلك التي تتمتع بموقع استراتيجي متميز كدول حوض النيل للاستفادة في تحقيق مطامعها في تلك المنطقة (عبيد، 2013)[3]، وسعيًا وراء حلمها “من النيل إلى فرات”، تلك الأنشودة المتكررة والتي تشكل عقيدة راسخة لدى الصهاينة.

وفي المقابل، يشكل “شؤوم” هذا الشعار لدى الغيورين من أبناء الأمة العربية قلقًا لا ينتهي؛ إذ تربو على النظر إلى إسرائيل الكبرى على أنها تمثل غيظًا وجرحًا لا ينتهي في صدورهم جميعًا، وبين حلم الآخرين وقلق هؤلاء يسعى كل فريق لإثبات الوجود، ولكن خطوات الصهاينة كانت أدق وأشمل في التأثير.

حيث رسمت الصهيونية العالمية خطواتها وأحلامها من أول اجتماع لهم عام 1897 في مؤتمرهم المشؤوم “بازل”، والذي كان من أهم نتائجه إقامة المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هيرتزل، الذي نجح في الترويج لفكرة العودة إلى فلسطين.

وبالفعل، نجحت المنظمة الصهيونية في لَمِ الشتات من كل البقاع، درجة أن مؤتمرهم السادس في عام 1903، بلغ عدد المشاركين 600 عضو، وتفرعت الجمعيات الصهيوينة وتكاثرت لتحقق عدد 1.572 جمعية. (الفلسطينية، المنظمة الصهيونية العالمية، 2015)[4] .

ما هو الدور الإسرائيلي بملف النيل؟

الملاحظ، أنه من أول يوم لمؤتمر الصهيونية العالمية، كان ملف النيل حاضرًا على طاولة النقاش، والتي شملت ملفات عدة، كان منها التحكم في مصادر النيل من خلال النظر إلى إفريقيا وخاصةً أن أوغندا كانت من الدول المطروحة لقيام دولة إسرائيل إلى جوار فلسطين والأرجنتين، وأن ملف النيل يعتبر مدخلًا لضمان الاستدامة الصهيونية  في فلسطين.

ولكن ظل ملف أوغندا بديلًا استراتيجيًا في حالة فشل المخططات بفلسطين؛ مما أدى إلى انقسامٍ حاد وخطير في صفوف اليهود، عندما عرض بالمؤتمر السادس، واعتبرت أوغندا مركزاً مؤقتاً فقط لتلبية الاحتياجات الآنية لليهود ومرحلة للهدف الأسمى فلسطين. (الفلسطينية، الاستيطان مشاريع الصهيونية خارج فلسطين، 2013) [5]) مع التأكيد على استغلال أوغندا كمدخل للتحكم في الصراع على مياة النيل وفي القارة السمراء، والتي أضيفت إليها إثيوبيا بعد ذلك بعد إعداد أمريكي إسرائيلي لتعلب دورًا إقليميًا بارزًا وخاصة مع ملف النيل ودول حوضه.

رصدت إسرائل تقدير الصوت الإفريقي في المحافل الدولية، وقدرته بتمثيل يساوي 31% من مجموع الأصوات بالجمعية العمومية. ولذا قررت الاتجاه نحو إفريقيا سيما بعد :

  • رفض عضوية إسرائيل في مؤتمر “باندونج 1955″، والذي عقد في إندونسيا بحضور رؤوساء دول إفريقية وآسيوية، واستمر لمدة ستة أيام، وعلى إثره نشأت حركة عدم الانحياز التي نادى بها الزعيم الهندي نهرو داخل المؤتمر ورفضت فيه عضوية إسرائيل، والتي به أصبحت الأخيرة في عزلة تامة فقررت أن ترفع معدل قبولها دوليًا فاتجهت إلى إفريقيا متغلغلة ومتسللة.
  • فتح مضيق تيران وخليج العقبة للملاحة الإسرائيلية بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، في إطار تسوية مشكلات الاحتلال بسيناء؛ مما ساعد على سهولة التواصل مع القارة السمراء نظرًا لوقوع جزء من مصر تحت السيطرة اليهودية، فقد تمكنت إسرائيل من إقامة علاقات دبلوماسية مع دول حوض النيل، ومنها: كينيا، الكونغو، أوغنداء، بوروندي، إثيوبيا، تنزانيا، وروندا. (عبيد، 2013) [6] ولكن بعد “نكسة 67” ولقاء الصحوة الإفريقية والتعاضد التام مع مصر، فقدت إسرائيل ما اكتسبته من علاقات دبلوماسية مرة أخرى.

آثار معاهدة السلام على العلاقات الأفروإسرائيلية

كانت لاتفاقية معاهدة السلام 1979 (كامب ديفيد) بين إسرائيل ومصر أثر قوي في إعادة وتثمين العلاقات الأفروإسرائيلية، ونتج عن ذلك زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير، دولة زائير عام 1982، وبعدها بالتحديد في عام 1989 استطاعت إسرائيل إعادة علاقتها بثمان دول إفريقية.

بعد هذه الاتفاقية بدأ الحديث من الجانب المصري عن الفائض من استهلاك مصر من نهر النيل، ونشر ذلك بالصحف الرسمية أواخر 1979 وأوائل عام 1980.

وازدادت سخونة القضية وحدة الصراع على مياة النيل بعد أن نشرت جريدة “الأهرام” المصرية، خلال أغسطس 1980، المراسلات بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي ميلاحم بيجين، حيث قال الأول نصًا في احتفالية نقابة المهن الزراعية، 6 نوفمبر 1980، “إننا نقذف في البحر بـ6 مليار متر مكعب من المياه العذبة”، وأعلن السادات فكرته في تحويل مياه النيل إلى النقب.

انتقلت القضية إلى مجلس الشعب، ونقلًا عن جريدة «الشعب» لسان حال حزب العمل المعارض، فإن جلسة المجلس شهدت يوم 24 نوفمبر 1978، معركة عنيفة بين الحكومة والمعارضة، بزعامة المهندس إبراهيم شكري رئيس الحزب، وبدأت بطلب إحاطة وثلاثة أسئلة عمّا نشر عن فكرة توصيل مياه النيل لإسرائيل.

ورد عليها كمال حسن على وزير الخارجية، أن الرئيس السادات طرح هذا الموضوع في معرض حديثه مع بيجين في العريش وبعد استلام 80% من أراضى سيناء، ولم تبق إلا قضية القدس والحكم الذاتي، وطرحه من أجل إيجاد تسوية عادلة من أجل القدس، وليبين السادات كيف أنه مستعد للتضحية من أجل القدس.

وبدوره، رفض بيجين الفكرة منذ البداية وانتهى الأمر، ولم ترد فى الخطابات المتبادلة بينهما حينما توقفت المفاوضات بسبب إجراءات الكنيست الإسرائيلى الخاصة بالقدس، ولم تتخذ أي إجراءات تنفيذية حول هذا الموضوع.[7] (زهيري، 1989)

واستمرت مماحكات إثيوبيا مع مصر والسودان التي لا تنتهي في ملف الصراع على مياة النيل بأفريقيا، محورها الأساسي النظر في اتفاقيات توزيع المياه وعدالته حتى بدء الإعداد لمرحلة جديدة من الاتفاقيات كان أولها اتفاقية “عنتيبي”، في مارس 2010، والتي سنكمل حقيقتها في الجزء الثاني من  المقال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1- إبراهيم محمد العناني، تسوية نزاعات استخدام الأنهار الدولية نهر النيل نموذجاً، م11 ،ع 39 ص 33، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة، 2013.

2- تريجي تفت، النيل في العصر البريطاني، ص 7، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2019.

3- منى حسين عبيد، السياسة الإسرائيلية تجاه دول حوض النيل مصر والسودان نموذجاً، المجلات الأكاديمية العلمية، العراق، ص 49

4- المنظمة الصهيونية العالمية، الموسوعة الفلسطينية، 28/10/2015.

5- الاستيطان مشاريع صهيوينة خارج فلسطين، الموسوعة الفلسطينية، 13/8/2013.

6- منى حسين عبيد، السياسة الإسرائيلية تجاه دول حوض النيل مصر والسودان نموذجاً، المجلات الأكاديمية العلمية، العراق، ص 51.

7- كمال زهيري، النيل في خطر، مكتبة جريدة الأهالي، القاهرة، 1989، ص 17.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محسن الكومي

مستشار تدريب ، وتنمية موارد بشرية،خريج كلية تربية93 ، خريج كلية الحقوق2000 - دبلوم صياغة العقود - ماجستير ادارة اعمال - دكتوراة مهنية في الموارد البشرية - ماجستير ثقافة اسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق