مدونات

أخطبوط بدون ثلاث قلوب

حالنا مثل الخريف، يتعرّى أمام الملأ لينثر في وجوهنا بقايا جماله المتساقط، فيصل لذروةٍ أقصاها أن يتنازل فيها عن كل شيء حتى عن ثوبه، ويأتي الشتاء ليهتم بالبقية، فيحتضن المكان وكله فوضى بالصقيع؛ لتسخر منا الطبيعة وتضحك بجنون هستيري في جمود مخيف منا.

هو صراع وجودي تعوّدنا عليه، ولكن الذي لم نتعوّد عليه هو تشرذمنا الواضح، فالكل يعلم على الوضع بطريقة ما سواء بنزاهة أو بوساخة، فتُشرّح المعطيات على يد جراح أعلى دراجته كانت بفضل ”الواسطة”؛ لنقتبس من الماضي وجع الحاضر لدرس وجب إلقاؤه في المستقبل بخوف تحت إشراف الأستاذ الوهم.

علينا الاعتراف بحقيقة ما، أننا نتقمّص ثوب التفلسف في شتى الميادين والمجالات، فكل واحد فينا أصبح المفتي، والعالم، والقاضي، الطبيب، والشاعر، وذلك الفهيم الذي يفقه في كل شيء.

للأسف صرنا نتمادى بإلقاء الذنوب على بعضنا البعض بفتوى التدين المزيف في ظل التأسلم الجديد، فصرنا نستعرض عضلات اللسان بدل الأفكار؛ ليصبح التراشق بالألسنة هواية البعض لاستخراج عقدهم ومكبوتاتهم البالية، التي وصلت لآخر درجة من التعفن، حتى أنه أحيانًا تصل إلى إلقاء التُهم، ووصف الاعتقادات بالكفر و الإلحاد، وكأن الأمر هيّن، وكأن حبل الوثاق بيننا ليّن.

نحن نُصرُّ على لعب دور البطولة أحيانًا، في حين نعشق دور الضحية، فنعفو عن الجلاّد؛ رغم إدراكنا وعلمنا اليقين أن علامات السّوط شُوّهت ملامح الإنسانية فينا، لكننا نصر أن نقفل فاه الحقيقة، ونتجمل بالكذب لأنه يرضي الكل.

نحن نتجرّع حمق الألسنة، ونرضى بسياسة الصراخ كوسيلة للإقناع، نرتشف ظمأ الحق خلسةً؛ لكي لا يرى النور، ونجاهر بخمر الباطل، ويسعدنا الرقص ونحن ثمالى بالنفاق؛ ليسعد الجميع بهذه الرقصة، تحت تأثير موسيقى الخيانة، وبخور البارود الذي جعل الوطن يختنق، والتاريخ يستنطق، والشعب ينتفض.

قطار الزمن يمضي سريعًا لنشعر بخذلان الوقت حين يلتحف بالنكران، مادام لا يفرز شيئًا من المصداقية أو تحسن للأوضاع.

ألعاب كثيرة تمارس في غير ملعبها، في حين فهمت لم يكره الأطفال لعبة الأخطبوط؛ فالتحليق فيها يكون بعيدًا، والهبوط مجددًا بسرعة يعمل على تسارع نبضات الحقيقة، فيحدث مالم يكن في الحسبان، فمنهم من يواجه الأمر بصراخ، وآخر يواجهه بشجاعة، والباقي ربما يصمت بكتمان الخوف، خوفًا على منظره وبريستيجه.

تتوقف العجلة فجأة لأنه حان وقت إطفائها وفق زمن محدد لها، لتنتهي الجولة وتعاد أخرى في جولة أخرى بألعاب أخرى و بأشخاص جدد يحبون الطيران، ويخشون السّقوط، في حين أن متعتها الجمع بين النقيضين، وعلمت أيضًا أن الأخطبوط يعيش بثلاث قلوب، وهذا ما يجعل منه إلهًا إغريقيا تتبارك به كائنات الأرض؛ لذا فدومًا نجد تحذيرًا أمام هذه اللعبة ”ممنوع لأصحاب القلوب الضعيفة”.

لذا ليس عليكم أن تدخلوا لعبة هي في الأصل ليست حكرًا إلا على مالكها، والنهايات فيها واضحة لأصحابها وفق مدة محددة من طرفهم، ومن أراد المغامرة عليه تحمل عواقب السقوط منها؛ لأن السقوط فيها أشبه بالموت.

مهزلة الشهرة باتت عنوانًا للحمقى، والعجيب في الأمر أن هؤلاء يتعطرون بثقة نفس خيالية، لا يتحلى بها عالم في الفيزياء أو أديب كبير له مؤلفات عديدة حتى، وحين تسأله وتكرمه، يجيبك بتواضع ويصر على أنه لا يزال يحاول أن يكتب، في حين التفاهة تتصدر عناوين الحياة بابتسامة تخدش حياء الثقافة، وهؤلاء السنابل الفارغة تظل رؤوسهم شامخة، وإن سألتهم بالكبر جاوبوك، فالبالونات بالهواء تنفخ، وبشوكة هشة تفرقع.

وفي موجة التواصل الاجتماعي صرنا كلنا نسبح في بحر هائج، موجاته تمرجحنا، وتأخذنا بين الخطأ والصحيح، بين العقلانية والانحراف، نحاول أن نصل إلى أقرب شاطئ لنستقر على هدف، ورغم إدراكنا الواعي المعانق لقناعة فكرية بهذا، إلا أننا صرنا أشبه بأخطبوط ولكن بدون ثلاث قلوب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و
زر الذهاب إلى الأعلى