سياسة وتاريخ

أحمد منسي: الأسطورة الخالدة لا تنسي

كانت دموع الفرح ممزوجة بدموع الحزن عندما ودعت مصر وشعبها الطيب الأصيل بطل من أبطال الجيش المصري العظام وهو العقيد أركان حرب أحمد منسي قائد كتيبة ١٠٣ من قوات الصاعقة الباسلة، في ٧/٧/٢٠١٧ إلى مثواه الأخير نتيجة لعمل إرهابي غاشم خسيس قتل على إثره، وهو على سطح المبنى الخاص بالكتيبة يواجه المعتدين كما تعود بصدره وفي مقدمة جنوده.

وظل منسي يدافع عن كمين مربع البرث الاستراتيجي، بجنوب رفح الذي يربط شمال ووسط سيناء، إلى أن استشهد بعد تلقي طلقة غادرة من رصاص المسلحين الذين حاصروا المبنى، وظل رابطًا بأصبعه على زناد بندقيته قابضًا بيده عليها، وبعد أن نطق الشهادتين نطق كلمة أخيرة لم يعها أحد الجنود الناجين من هول المعركة ووطيسها وشدة أصوات رصاصها وأظنها -والله أعلى وأعلم- “بلدي” وكأنه يقول مصر أبدًا لن تسقط ويدعو المصريون للدفاع عن وطنهم لآخر مدة.

ولعلن أحمد منسي قال كلمته الأخيرة “أمي” وكأنه يقول لها لا تحزني فقد مت شهيدًا وفي الجنة سوف ألقاكي، أو “حمزة” ولده وكأنه يستدعيه لتكملة كفاحه ونضاله.

واستشهد مع العقيد عدد من الجنود في مشهد تجلت فيه كل قيم التضحية والفداء والوفاء بالعهد وعدم رفع راية التسليم والقتال لآخر رمق والموت والزهد بالحياة والدفاع عن الوطن والدين من قلة بغيضة آثمة خارجة عن ملة الإسلام وكل الأديان.

طلب البطل أحمد منسي الشهادة في سبيل الله، وسارع إليها بعقله ووجدانه، ونالها من الله تعالى كمكافأة على عطائه اللامحدود.

ولد أحمد صابر منسي في ٤ أكتوبر لسنة ١٩٧٨ م بكفر صقر بمحافظة الشرقية، والتحق بالكلية الحربية دفعة 92، وعمل في فرقة ٩٩٩ قتال، ثم كان من أوائل من حصلوا على دورة للقوات الخاصة الاستكشافية المعروفة باسم “السيل” عام ٢٠٠١ م ثم حصل علي نفس الدورة من الولايات المتحدة الأمريكية ٢٠٠٦ م بتفوق باهر، وبعدها حصل علي الماجستير في العلوم العسكرية ٢٠١٣ م دورة أركان حرب من كلية القادة والأركان.

وتولى البطل الشهيد قيادة الكتيبة ١٠٣ صاعقة، خلفًا للعقيد رامي حسانين بعد أن استشهد في أكتوبر ٢٠١٦ م وذلك في أرض سيناء المرمرية والتي تلونت رمالها الطاهرة بألوان الدماء الذكية علي مر العصور، وبوابة مصر الشرقية المهددة دوماً، والبقعة العزيزة المقدسة في قلب كل مواطن مصري حر.

منسي هو نتاج تراب هذا البلد الكريم وشرب من نيلها الخالد، ومشى في شوارعها ودروبها وجبالها ووديانها وصحاريها، ورأى بكلتا عيناه أصالة شعبها وعبق حضارتها التي صمدت علي مدار آلاف السنين، ومن ثم أصبح متعلقاً بوطنه بكل جوارحه يرجو له العزة والكبرياء والشموخ.

كان أحمد منسي كريمًا بطبعه وحبه للآخرين ومحاولة التخفيف عن المحتاجين قدر المستطاع، ونصيرًا للضعفاء ولم يدخر جهدًا في سبيل رسم البسمة على وجوه البسطاء، كان حازمًا مع جنوده وفي نفس الوقت محبوباً وودودًا ومساعدًا لمن كان لديه مشكلة كأخٍ كبير يحس بآلامهم وتوجعاتهم حتى بكوا هم يوم استشهاده كما لم يبك أهله وذويه.

ما زاد حب الناس لمنسي هو تواضعه الجم وأخلاقه الرفيعة، لم يطلب “الشو” الإعلامي ولم يسع إليه وليس عنده داء الظهور والشهرة الزائفة والتفاف المنافقون حوله، بالرغم من جسارته القتالية وعزمه وبأسه الشديد على القوم الكافرين، وشاعريته المرهفة وإحساسه ومعاملته الطيبة لأهل بيته جميعًا، كما روت زوجته الكريمة عند الاحتفال بذكراه وتكريمه.

وتحدثت زوجة منسي عن بعض من كتاباته وأشعاره وعشقه الأبدي لبلده، زمن بعيد من أيام حرب أكتوبر وبطولات أبناء الجيش المصري العظيم في سبيل تحرير أرض الفيروز مرورًا بوقتنا الحاضر.

وفي ظل حروب العصابات والعدو الخفي الجبان إرهابيوا هذا الزمان ذوو الأحلام الواهية والعقليات المتحجرة والأيديولوجيات المتخلفة والمغرر بهم، أطل علينا منسي ورفاقه الأبطال والشهداء الذين ضحوا بكل ذرة من حياتهم ليعيدوا زرع روح الانتماء في نفوس الشعب المصري والذي كاد ينسى وسط الحياة الطاحنة والظروف الاقتصادية الصعبة والمحاربة من أجل لقمة العيش، بطولات جعلت من أحمد منسي الأسطورة الحقيقية وسبب فزع للإرهابييين بعقله وفكره وتخطيطه وقيادته للعمليات الحربية والتصدي بحزم لتجارة المخدرات الرائقة في شمال سيناء والقبض على العناصر التكفيرية الخطرة واصطيادهم من مخابئهم الحصينة الواحد تلو الآخر حتى أصبح بمثابة الكابوس في يقظتهم قبل أحلامهم.

وأراد الإرهابيين الانتقام منه شر انتقام بأسلوبهم المفضل من الغدر والخيانة بمساعدة الجبناء من الداخل أو الخارج، كان منسي دومًا يشجع جنوده على الصمود حتى النصر أو الشهادة، ووصى أنه لو جاء أجله واستشهد يدفن ببدلته العسكرية ولا يغسل بل يدفن على حال مماته.

ونال منسي التكريم الأفضل من الدولة متمثلةً في قواتها المسلحة وهيئة قناة السويس التي أطلقت اسم الشهيد على كبري عائم يربط قناتي السويس، وإنشاء نصب تذكاري، وإطلاق اسمه تخليدًا على عدد من مدارس قري ومدن محافظة الشرقية.

وفي مخيلتي أظن أنه يستحق أكثر من أطياف المجتمع والكتاب وصناع الدراما فالتاريخ لا يكتب إلا لأمثال أحمد منسي ومن على شاكلته في الإيثار والشجاعة والإقدام، فكل من تعامل معه أو اقترب منه أو زامله حكى القصص والروايات عن أعماله الخالدة التي لا تنسى أبد الدهر، هو من طلب أن يبى في سيناء الذي رواها الأجداد والآباء بدمائهم وجاء منسي من بعدهم ليكمل ما بدأوه، وحاول تطهيرها من هؤلاء اللصوص الأوغاد سارقي أحلام شعبنا وتحطيم البسمة من على شفاه أطفالنا والأجيال القادمة.

وهناك سبب آخر لوجود منسي على الحدود في سيناء، فالعدو الأصلي اللدود في خاطره ولا ينساه منسي وعلى أهبة الاستعداد عند اللقاء، فقميص البطل إبراهيم الرفاعي كان يحتفظ به فخرًا ورمزًا ونبراسًا، ويمني النفس بالسير على نفس الدرب.

في حياة العقيد أحمد منسي القدس، كانت القضية الفلسطينية تحتل مكانة كبيرة وغالية بوجدانه، وكان يدعو صابرًا باستعادة المسجد الأقصى من الاحتلال الإسرائيلي.

وإذ رحل عنا الشهيد منسي منذ ما يقارب الثلاث سنوات، فإني أكتب وكأني أتحدث عن شخص حي مازال بيننا وصدق رب العزة حين يقول “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون” صدق الله العظيم.

ينبض قلبي بالسعادة والفخر أن ذكرت ولو حرفًا من صفات البطل الذي ولد وتربي ومات على أرض مصر الباقية، وأن قلمي لا يريد أن يتوقف عن كتابة الصفحات وأتمنى أن أكتب قصة حياته كاملة يومًا ما في كتاب، ولم يغف لي جفن حتي أكملت هذه النبذة البسيطة العابرة عن الشهيدلمنسي. واحزناه فقد فقدنا أخًا عزيزًا لكل المصريين ولكنها تلك إرادة الله تعالي، آه تخرج مجروحة من القلب تنادي بالقصاص والثأر لشهدائنا الأبرار.

وددت أن أكون ممن زاملوا أحمد منسي وحاربوا معه وتعلموا منه حب الجهاد في سبيل الله وحب الوطن، لكنت قابلته بالأحضان ورأيت ابتسامته ووجهه المتلألأ بالنور والإيمان وجزاءه سيلقاه في الجنة ونعيمها إن شاء الله، فمصر هي مقبرة الغزاة وقادرة على إنجاب مليون منسي من جديد إن شاء الله يواصلون النضال والكفاح ولا يولون أدبارهم بل يواجهون الموت في سبيل الله بكل شجاعة بصدور رحبة ووجوه مبشرة.

تحية عرفان وشكر ورد للجميل لأهل بطلنا الحبيب الذي دخل في قلب إنسان مصري سوي عاقل غير مغيب على ما ذاقوا وتحملوا وما زالوا، وندعو من الله أن يلهمهم الصبر والسلوان وأن يكون أولاد منسي في حفظك ورعايتك يارب العالمين ويكبروا ويكملوا مسيرة أباهم الطاهرة العطرة ، بعد أن لقت روحه الذكية ربها ترفرف في الجنة ونعيمها. اللهم اغفر له وارحمه وانزله منزل صدق مع النبين والصديقين والصالحين والشهداء ، واحمي يا ربي جيشنا وقواتنا المسلحة بجميع فروعها حصن مصر الدائم المدافع الأول مع شعبها عن كامل ترابها وعرضها وشرفها بإذن الله.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق