مدونات

أحسنوا لمن تحبون

أحسنوا لمن تحبون .. فهناك شوق بعد الموت لا يطاق

أنا من مات ومن مات أنا .. لقي الموت كلانا مرتين (أحمد شوقي)

لا صوت يعلو على صوت الحزن حينما يبكي القلب ويدميه شعور الفقد. رسالة الحزن بمرارة أشعر بها تغطي جسدي ودمعات تنهال على خدي وكأن بصري قد أغشي عليه، ورعشة تكاد تسقطني وبكاء الفجر في عيني وفمي.. إنه ألم أن تفارق والدك في صغرك وهل ثمة أعظم منه ألم !!! ألم جسديّ حيث تقطع الذي يحتضر سكراته وألم نفسيّ لأهله الذين عاشروه وحظوا برعايته سنوات طوال وكان رابط الحب والاحترام أقوى من سلاسل الحديد..

كنت يا والدي سيدًا فاضلًا يمشي على هذه الأرض، لم يصارع المرض ولم يتهاون وأبى أن يموت إلا واقفًا شامخًا كما خبره العالم حينها، لقد كان الله به رؤوفًا رحيمًا ولم يتعذب حتى في سكراته..

لم تكن والدتي في وفاة زوجها تذكره إلا بالطيب؛ فلم يكن فيه من إهمالٍ لها أو لأخواتي كما يفعل الكثير في زمننا الحالي، أن يجعل أهل بيته آخر اهتماماته لكن جاءت كلمات المدح يلفها الحزن لهذا الرجل الطيب في وفاءه لعائلته الذين شاركوه حياته بأكثر تفاصيلها الجميلة، وأكثر ما كان يدمي عائلتي دفء البيت والمسكن بوجوده ومنذ فقده كانت أعظم مصبية حلت. فقد لا يشعر الإنسان بقيمة النعم التي هو فيها إلا عندما يفقدها إلى الأبد.. يا أبتي مازال البيت بيتك صامدًا ومازلنا أهله ومازالت ذكراك في كل زواية فيه، ذلك البيت الريفي الذي هو أهلٌ للانتماء وليست تلك المدن التي تعج بالفراغ والخاوية من المشاعر، مازال طيبك واسمك حاضرًا حتى في غيابك الطويل الذي لم نجد لمعضلة فقدك أي بديل..

يا والدي الطيب مذ رحلت وأنا أجابه هذه الحياة وحدي، ولم يكن هناك أشد وطأة على قلبي منذ أن أدركت أنني أعاني اليتم، وأنني في هذه الدنيا خاوية الوفاض بدونك، فكانت مني الجرأة أن أقترب من قراءة اسمك في إحدى الصحف التي نعتك وما زالت محفوظة على الرف في المكتبة الصغيرة بين كتبك ومذكراتك المليئة بيومياتك منذ أن بدأت عملك وكنت دومًا لخدمة الناس الرجل الوفي الصادق.. إلى حين وافتك المنية إلى بارئ السماوات والأرض..

قبل شهر من الآن رأيت لأول مرة فيديو لأبي وهو يتحدث ويمازح أحدهم، كان صوته يهطل على أذني كالنسيم الدافئ الذي إذا مر أشعرك بالدفئ والأمان. وأغمضت عيناي واستشعرت بأنني أقف بين يديه شابة في مقتبل العمر تمسك يديه تقبلهما وترمي نفسها في أحضانه ثكلى متعبة، فكان الشعور الذي لن أدركه حتى في حلمي جميلًا لبضع ثوانٍ، وعسى أن تبقى تلك الصورة عالقه في ذهني ولعلي أصحو من حلم الفقد الذي لازمني طوال سنوات حياتي.. ولكني أفقت على واقعي الذي لن يتغير مهما كانت تخونني خيالاتي، فما كان مني إلا أن أكتب في كل يومٍ قصيدة رثاء أكمل بها حياتي، وعندما تشتد بي رياح الحزن والضيق أبحث عن أكثر الاماكن أمانًا فأجد بقعة من الأرض تحتوي أبي على هيئة قبر أزوره وتجتاحني رياح اليتم من كل صوب.. غيابه ككذبة نيسان وأي نيسان الذي فقدته فيه منذ كان عمري سنة ونصف وما زلت لا أعي معنى وجوده  من غيابه، إلا أنني بت ألحظه وأستشعره حين عاشرت وجوه البعض فأيقنت يقينًا تامًا بأن من لا سند له كوجود الأب لا يستطيع وحده أن يقاوم كل تلك الوجوه المقنعة، فعندما يسقط القناع تكتشف ما لم تكن تتخيله يومًا، فلا يعود هناك قريب ولا حبيب وكأننا بتنا في عالم الأشباه؛ أشباه الأحبة، أشباه الأصدقاء، أشباه الأقارب. لا تدرك حجم مطامع الناس فيك ولا إيذائهم إلا عندما تكون مكسور الجناح فيستغلون ضعفك حتى تنهار قواك فتصبح جثة هامدة تتمنى الموت ولكنه لا يأتيك.

تقبل اليتم صعب للغاية، وإدراك حقيقة الغياب والوجود لأمر صعب جدًا لا يعيه إلا من عاش طقوسه، فمن يداري الروح سوى نفسها، ومن يندي على الجباه باللطف سوى نفسها، ومن سيرأف بروحك المنهكة سوى نفسك.

ليس هناك أشد وطأة على النفس من أن ترى حبيبك مزجي تحت التراب بلا حراك. وأتسائل دومًا: كيف تستطيع بعض الأنفس إيذاء من عاش اليتم بلا إحدى والديه وعقدة النقص تلازمه منذ صغره؟! يا لقساوة هذه القلوب وجحودها. وأتسائل: كيف من يدرك إحدى والديه أن يقابلهم بالجحود والنكران لفضلهم لما هو عليه الآن، ولا يرد لهم الإحسان والود بالإحسان والود المضاعف؟! كيف يمكن أن يكون الإنسان إلى هذا الحد جحودًا!!

علينا دائمًا ألا نؤخر اللحظات الجميلة لغير وقتها، ولا نؤجل الكلمات فتخرج في غير وقتها؛ ولأن كل كلمة وكل مشاعر في غير أوانها لا تؤتي ثمارها. نحن دائمًا نؤخر الاعتذار ونؤخر الصلح وحتى نؤخر الحب ونخسر من نحب، ونؤخر السعادة ونؤخر كل شيء جميل إلى حين آخر، وقد لا يأتي ذلك الحين. وعندما ندرك أنفسنا تخرج الكلمات منا وقد فات أوانها، وقد لا يصبح لها أدنى قيمة، فربما كانت هذه الكلمة التي تقولها في أذن أحدهم سببًا في استمرار الحياة بينكما أو زيادة الود.

كم من الأبناء والإخوان والأصحاب والأزواج يهدمون سعادتهم بتأجيل الإحسان و الحب لغير وقته. فإذا أحببت أحدًا فأخبره ولا تتأخر، وإذا أخطأت فاعتذر، وإذا كانت لديك فرصه لصنع المعروف فاغتنمها ولا تؤجلها، كن صانعًا للمعروف فقد يرحل الأحباب قبل أن تخبرهم بذلك الحب والاشتياق، وقد تنقضي الصداقة دون أن تعيشها، وقد ينقضي العمر وأنت تلاحق وهمًا وتدرك نفسك في محطة الوحدة ولا تجد من يسمع كلماتك أو يربت على جرحك. فلا معنى للحياة إن لم تكن الأشياء بوقتها؛ فما معنى حياة بدون أب أو أم، ولا معنى للطعام دون أن تكون جائعًا، ولا فائدة للمال إذا لم نكن في حاجة إليه، ولا معنى للحياة بدون  أصحاب وأهل يزينونها. فاغتنموا أيامكم وأسعدوا من حولكم فربما تستيقظون يومًا وقد فقدتموهم.

ما أحوجنا بعد وفاتنا إلى أناس يذكروننا بالخير ويدعون لنا بالرحمة..

أسعدوا من تحبون بكلمات طيبة فالكلمات ليست بالمال، فرب كلمة أعطت أملًا وبنت بيتًا وأقامت رجلًا وأسعدت أمة وجبرت كسرًا وهي عند الله عظيمة.

 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نازك العمري

كاتبة ومدونة من الاردن
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق