سياسة وتاريخ

أحدهم خانه الحلفاء وطعنه الأقربون.. 3 رجال فقط قالوا «لا» لإسرائيل (2)

تداعت صخرة فلسطين من على كتفي السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في إسطنبول، لم تكن هذه المرة إلى البحر المتوسط بل إلى سفح مكة ومنه إلى كتفي أمير الشرق، شريف مكة وملك العرب المنتظر الحسين بن علي، كان إرث أجداده خاضعًا للخلافة العثمانية بل وكان هو نفسه شاهد عيان على ما حدث في الخلافة العثمانية حيث ولد وكان ويقيم هناك متنقلًا بين الأستانة وإمارة جده ثم والده في مكة حتى تجاوز الخمسين.

وفى الوقت الذي كان السلطان عبد الحميد الثاني يكاد يخرج من الباب العالي الكبير، كان الحسين بن علي يرحل إلى باب إمارة مكة المكرمة عام 1908. أكان يسلمه مع إمارة مكة راية الحلم، عروبة فلسطين المقدسة قبل وأدها دون أن يدري؟، ومن سلالة حلم سلطانه عبد الحميد في خلافة إسلامية إلى سلالة حلم آخر مواز.

شريف مكة يضرب خلافة الأتراك في مقتل

وكانت راية الخلافة العربية ودعوات القومية والوحدة العربية من المفكر الإسلامي عبد الرحمن الكواكبي ورفاقه تدوي في كل مكان، تداعب خيال شريف مكة سواء منذ إرهاصاتها الأولى في منتصف القرن التاسع حتى صوتها الأعلى المدوي الذي كان يرتفع رويدًا في بداية القرن التاسع عشر ويلهب حماسه حماس العرب في ثورة وخلافة عربية على أنقاض الخلافة التركية المستبدة.

وما أسهم في قناعة الحسين بن علي أن الخلافة العثمانية والسلطان عبد الحميد أوشكا على الخروج من باب التاريخ الواسع بعد أن آلت مقادير الخلافة إلى إحياء نزعة تركية خالصة تمثلت في حركة الطورانية ويمثلها في تركيا -آنذاك- من وراء الستار جمعية الاتحاد والترقي الناقمة على كل ما هو عربي وإعلاء كل ما هو تركي.

وبعد الثورة التركية عام 1908 وزوال حكم السلطان عبد الحميد وانتهاج مبدأ “التتريك”، ازدادت الشعوب غير التركية تذمرًا وبدأت بالمطالبة باللامركزية والانفصال. كانت بعض الجمعيات والأندية العربية قد تكونت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين و تطالب بالإصلاح أيضًا وتدعو للقومية العربية حيث أن هذه الفترة شهدت ما يسمى بالنهضة العربية.

وأسس مجموعة من الطلبة العرب يزيد عددهم عن 300 شخص من المثقفين والدارسين، جمعية “العربية الفتاة” في فرنسا، وكان أعضاء الجمعية على صلة بالجالية العربية في باريس. حيث عقد مؤتمر العربي الأول وهو مؤتمر أقامه مجموعة من المفكرين والسياسيين والقوميين العرب في باريس في حزيران 1913م؛ مما خلق ظهيرًا سياسيًا وأيدلوجيًا للأمير الحسين بن علي.

ووضعت مبادئ الثورة العربية بالاتفاق الشفهي بين الأمير ابن علي وقادة الجمعيات العربية في سوريا والعراق يهدف إلى استقلال العرب وإنشاء دولة عربية واحدة، وحتى يأمن شر  الخلافة العثمانية ويعطى مشروعية لبلورة أحلام القومية والوحدوية العربية، كان عليه أن يعقد صفقة عادلة مع عدو الخلافة العثمانية الأول ألا وهو بريطانيا، وخاصةً مع قرب الإشارات  إلى قيام الحرب عالمية محتملة ما بين بريطانيا وحلفائها من جانب وتركيا وحلفائها من جانب أخر، والتلويح بالاعتراف باستقلال العرب مقابل اشتراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك والدولة العثمانية.

وتكمن بذور هذه الحركة في التطلعات القومية العربية الطامعة للحفاظ على أمة عربية ناهضة أوضاعها الحضارية والمعيشية محسنة. ومن جهة أخرى موقفهم من الأتراك بعد الثورة على الدولة العثمانية. وقد وجدت هذه الجمعيات في شريف مكة وأولاده حليفاً لها لتحقيق أهدافها. ووجد الشريف بن على في الرسائل المتبادلة مع الساسة البريطانيين من القاهرة ما يحقق لذلك الهدف بل ما هو أكبر؛ الاعتراف به كخليفة عربي للمسلمين. إنه الحلم الذي سار إليه الشريف حسين مغمض العينين وخلفه سار كل العرب دونما إدراك بحجم الخديعة وعمق الفخ المهلك.

الثورة العربية الكبرى.. الحلم كان خديعة بريطانية

ورغم كثير من الوعود التي لا تخلو من هواجس، حاول الأتراك جذب شريف مكة بعد افتضاح الاتفاقيات السرية بين بريطانيا وفرنسا، خاصةً فيما يتعلق باتفاقية سايكس بيكو وتقسيم إرث الخلافة العثمانية بين الدولتين وحلفائهم الغربيين، إلا أنه استمر في التعاون مع بريطانيا والحلفاء الذين كانوا يمولون جيشه من الخزينة المصرية، ويزودونه بالسلاح والخبراء مثل لورانس العرب.

وزاد الأمر طينة وحنقًا ونقمةً على تركيا من قيام  ضابط بالجيش العثماني، جمال باشا، بإعدام كثيرًا من الضباط العرب بعد فشل حملته على قناة السويس، مما دفع قادة الحركة العربية في المشرق بالضغط على الشريف لاستعجال إعلان الثورة التي انطلقت في العاشر من حزيران/يونيو 1916. وفى غضون أربع أشهر فقط تكللت الانتصارات بمبايعة الشريف الحسين بن علي أمير مكة إلى ملك الحجاز ثم إلى ملك للعرب.

الحلم يتحقق ولكن حلاوة  الروح التركية لا تزال بأذيالها في الشمال حيث مدن بيروت وحلب وحماة وطاس وصيدا وصور وحمص والعراق، والأطماع الإنجليزية والفرنسية التي تنفذ مخطط سايكس بيكو لتقسيم تركة الخلافة العثمانية فى الشرق العربي تتسارع الخطى أثناء  الحرب العالمية الأولى 1915 – 1919.

امتد حكم الحسين بن علي من مملكة عربية تدور فى الفلك البريطاني في المشرق العربي إلى خلافة عربية في آسيا، حيث المشرق العربي، ولكن منقوصة بسوريا لفرنسا، وفلسطين لإنجلترا ثم لإسرائيل حسب وعد بلفور 1917. فرفض الرجل رفضًا قاطعًا أبيًا وبدا  كأنه يعيش معاناة الملك عبد الحميد الثاني في أمر فلسطين، فما كان من بريطانيا إلا المساومات الرخيصة، ترغيبًا بالمال وبالمساعدات للاكتفاء بما قسمته إليه أو ترهيبًا بدفع أمير نجد الطموح عبد العزيز آل سعود، والذي صار ملكًا بعد توحيد شبه الجزيرة العربية فيما بعد، الحالم بالسيطرة على كل مدن الحجاز من شرقها وغربها إلى شمالها وجنوبها وتأجيج الصراع معه.

غبار حصان عبد العزيز أعمى عينيه عن فلسطين

وبالفعل دخل الملك عبد العزيز بن سعود اللعبة فنال دعمًا واسعًا سياسيًا واقتصاديًا وماليًا وعسكريًا من بريطانيا بلا حدود فيما ترك شريف مكة وحده بلا دعم أو عون أو غطاء أو حلفاء ضد أطماع الأمير عبد العزيز بن سعود، حتى سقطت كل ممالكه في شبة الجزيرة واحدةً تلو وأخرى بل كاد أو أوشك أن يفقد مكة نفسها مقر الخلافة والمملكة العربية الحلم.

بدا الملك عبد العزيز ينظر تحت قدميه، ولا يلتفت أبعد من غبار حصانه، حيث أن ورقة زواجه من مملكة نجد والحجاز مكتوبة على شهادة وفاة فلسطين، لكن الضغوط البريطانية تزيد على الشريف، والمتمثلة في صفقة مساومة بالتسليم بالعرض القديم بما سُمى “المعاهدة الأنجلو -هاشمية”، تتضمن خلافة ومملكة عربية وخليفة على المسلمين وملك لهم  في الشرق إلا سوريا وفلسطين، وإلا لن تنال شيئًا لا خلافة ولا ملكًا، وزد عليهم أبواب جحيم الغريم عبد العزيز بن سعود.

وأصر شريف مكة على رفض نسب فلسطين العذراء إلى الاحتلال البريطاني، فيما وطأ نحر الطعنات يزداد غرسًا ويعمق جرحًا في خاصرته وخاصرة الخلافة العربية الوليدة، ولا يفوتوا فرصة لالتقاط الأنفاس إلا ويكيلون إليه مزيدًا من الطعنات؛ من الطعنة البريطانية المخادعة إلى طعنة أخرى أكثر حدة وعمقًا من  ابن جلدته عدوه و غريمه التقليدي في شبه الجزيرة العربية، بينما رفع عبد العزيز آل سعود سقف طموحاته إلى ذروتها من إمارة إلى المملكة كلها في الحجاز ونجد، حيث أعلنها صراحةً أن الحرب في الجزيرة العربية لن تتوقف حتى عزل الشريف حسين وإنهاء حكم الأشراف بل وأصر على طرد الشريف الحسين بن علي من كافة الأراضي الحجازية.

“ما لا يؤخذ كله لا يترك جله”، بهذا المثل العربي القديم أجبر الهاشميون وحزب الحجاز الوطني الحسين بن علي على قبول الأمر الواقع مرغمًا واضطر الشريف الحسين بن علي للتسليم بالأمر مجبرًا مكرهًا في عام 1924؛ فقبل التنازل عن العرش لابنه علي بن الحسين بن علي، في محاولة لحفظ ماء الوجه له وإبقاء الحجاز مستقلًا حتى بعيد عن حكم آل سعود وتجنبيها ويلات الحروب. ولكن هيهات.

رهان الأحلام والأمجاد تحول «لعنة» شريف مكة

ما أن خرج الشريف حسين من مكة إلى الطائف مارًا بشواطئ فلسطين، حتى ساقته الأقدار إلى منفاه  الإجباري حيث مدينة العقبة، ومع ذلك لايزال يفكر في كل السبل لدعم ابنه شريف مكة وملك الحجاز الجديد، لعله يبقى من أثر أجداده  بصمة، ومن وقع نعليه قدمًا، من سيرته قبسًا. ولكن طوفان آل سعود لم يبق ولم يذر، ابتلع كل شيء، إرث أجداده، شرافة مكة ومملكة الحجاز من العرش الهاشمي، الخلافة العربية أيضًا، حتى صار كل شيء يغدو  أمامه وخلفه سراب.

وبدا السلطان عبد الحميد الثاني وهو يسلم الحسين الهاشمي إمارة مكة لم يأتمنه عل عذرية المقدسات الإسلامية الثلاثة (الحرم المكي والنبوي والقدسي) فقط، بل منحه وإياها لعنتها أيضًا، حيث كانت أحلام الخلافة إسلامية أو عربية وفلسطين  شريان ووريد السلطان عبد الحميد الثاني والملك الحسين بن علي. بهما وعليهما رهان الأحلام والمجد، الدين والدنيا وبهما كان منتهى خبر الرجلين، أحقًا قال “لا لإسرائيل” وأبى أن يساوم بمملكة عربية منقوصة دون فلسطين؟ أم تراه خشى أن يطارده العار الأبدي إن هو قَبِل بمملكة عربية وتاجه منقوص بدرة التاج الإسلامي؟ قد يغفرون له ذهاب مكة إلى آل سعود، من عرب إلى عرب، لكن فلسطين إلى مَن؟ بريطانيا أم إسرائيل!، كيف قبل أن يغرر به من بريطانيا، وكيف أخذ نصيبه من الخديعة حتى الثمالة وقد بصروه وردوا إليه وعيه فى منتصف الطريق قبل الترنح والسقوط؟

اقرأ أيضًا: أولهم سلطان مات في المنفى.. ثلاثة رجال فقط قالوا «لا» لإسرائيل (1)

الشريف كاد أن يكون ملكًا على فلسطين فدخلها جثة

وربما من المفارقات الكبرى ليست في الموت والميلاد بل فى الحوادث التاريخية ونقاط التحول وتغيير مجرى التاريخ أيضًا. ليست في معاصرة الرجلين لذاك النبت الشيطاني المسمى بوطن قومي يهودي في فلسطين فقط ورفضهما الفكرة معًا وأبدًا حتى العزل والموت، ولا في سقف أحلامهما الكبرى بخلافة إسلامية ومملكة عربية ولا حتى التشابه بينهما في النهاية بالخنجر  المصنوع بأيدي بريطانية ماسونية، واليد ذات الطعنة القاتلة من الداخل، حركة الاتحاد والترقي في تركيا وعبد العزيز أل سعود في شبه الجزيرة العربية.

إن السخرية  الأكبر في التاريخ قبل عام من عزل شريف مكة في 1908، كان السلطان عبد الحميد يطوى راية الخلافة الإسلامية وربما خلافة أجداده العثمانية المتداعية بيد، ويسلم الشريف الحسين بن علي راية مكة حاضرة الخلافة العربية المرتقبة بيده الأخرى. وقبل عام من وفاته في عام  1918 كان وعد بلفور المشؤم عام 1917 قد صدر وحول كوابيس أربعين عامًا مضت إلى حقيقة مُرّة  وهو لا حول له ولا قوة. أما من ظل يقاوم ويقاتل ويحلم ويمنى نفسه حتى النفس الأخير كالشريف حسين فقد مات في عام 1931  إن لم يكن قد مات معه، فلقد دخل البريطانيون فلسطين عام 1918 وذهب ملكه وعرشه في مكة المكرمة عام 1924، وسقط ميراث أبيه وأجداده الهاشمي في الحجاز عام 1925 للأبد، وملأت المرارة حلقه في عام 1931 حين تناهت إلى أسماعه أصوات آل سعود وهم بصدد إبدال اسم مملكة نجد والحجاز إلى اسم المملكة العربية السعودية، فهي مملكة سعودية لا هاشمية، بينما فلسطين على مرمى حجر  منهم.

ربما الملك الحسين بن علي كان أكثر حظًا في موته من السلطان عبد الحميد الثاني، حيث كانت فلسطين على مرمى بحر لك يا مولاي عبد الحميد، ولكن  ليست على مرمى بحر أو حجر مني بل أنا مدفون في ثراها المشرف الآن. فدعني إذًا أحفظ ماء الوجه وحياء الجسد ببعض منها. نعم أصرّ الشريف الحسين بن علي أن يدفن في تراب القدس الشريف لم ينل شرف احتوائها حيًا ملكًا خليفةً عليها، فنال بعضًا من احتواء ترابها الطاهر  لجسده، ميتة شريفة، جثمانًا وعظامًا ورفاتًا وحجرًا وشاهد قبر وعنوانًا لعل أحدهم يأتي من بعدي يا عائشة الأندلس يبكي ملكًا مضاعًا عاش يقاتل من أجله كالرجال بل كالفرسان حتى الموت.

يُتبع..

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق