ثقافة وفنون

أثر شريط الكاسيت على الذوق العام.. “عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم”

دراسة التغيرات الديمغرافية التي تحدث للمجتمعات، لها أبعاد مختلفة تتشارك في نقط التقاء ما، ذلك الترابط الذي لا يمكننا فصله إطلاقًا عند الخوض في “تبدل الذوق العام” الفني وعلاقته مع شريط الكاسيت وهذا يحتم علينا تناول الظواهر الرئيسية التي عاشها الجيل المقصود من هذه الدراسة، مما يجعلنا في حاجة ماسة إلى إلقاء الضوء على العلاقة بين ظاهرة الحراك الاجتماعي والمناخ الثقافي، تحت مظلة ما يمكننا تسميته، بعوامل الانفتاح الاقتصادي.

اقتباس من تفسير د. جلال أمين في كتابه “ماذا حدث للمصريين؟”، يوضح معنى الترابط المقصود من فقرتنا الأولى، وعلاقته بالموسيقى:

“دشن نمط جديد من التأليف الموسيقي والغناء يتميز بسرعة أكبر ومدة أقصر وكلمات أسهل، ودخلت معان وألحان شعبية لم تكن تقبل الإذاعات من قبل إذاعتها، إلا في أضيق الحدود”.

دورة حياة شريط الكاسيت

عاش شريط الكاسيت تغيرات عديدة، وطفرات تقنية، أدت إلى إمكانية استخدامه في صناعة كوكتيل من الأغاني المفضلة، عن طريق مشغل شريط الكاسيت الذي يحتوي على خانتين، يمكننا بهما كذلك النسخ والتسجيل.

أخذ الكاسيت في الانتشار بشدة، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تدريجيًا، حين تزايد استخدام الشبكة العنكبوتية “الإنترنت”، التي تمكننا من الاستماع إلى الموسيقى بضغطة زر واحدة، حتى أصبح شريط الكاسيت يباع بأماكن محدودة، وبمنصات البيع الإلكترونية.

وجهة النظر الأولى

أطلقت شركة “فيليبس” الهولندية، النموذج الأول من شريط الكاسيت الجديد عام 1954، في خطوة تقدم تقني من شأنها أن تقلص الفجوة بين قدرة ذوي مستويات المعيشة المنخفض على امتلاك الأسطوانات الموسيقية، وبين ثمنها المرتفع ارتفاعًا يحول دون ذلك.

من المنطلق ذاته، نجح شريط الكاسيت -تحديدًا- على المستوى المحلي في مساهمته الفعالة في انتشار اللون الموسيقي الشعبي، الذي فشل في استمرارية التواجد بعالم الأسطوانات الموسيقية مرتفعة الثمن إنتاجاً واستهلاكاً.

كما ساعد شريط الكاسيت الألوان الموسيقية المختلفة على الانتشار؛ نظرًا للقيمة الإنتاجية المحدودة التي تمكن الجميع من الغناء والمنافسة، ليخلق بذلك انفتاحًا ثقافيًا، ساهم تباعًا في خلق رأي عام أكثر تنوعًا ومرونة، استفاد منه الملحن “حسن اش اش” في اكتشاف أصوات جديدة، كان أبرزها حكيم، وحمدي باتشان.

وجهة النظر الثانية

يقول الأديب الأيرلندي جورج برنارد شو، في حديثه عن الآثار السلبية للديمقراطية في مجتمعات العالم الثالث:

“من عيوب الديمقراطية أنها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى”

يرى بعض الدارسين أن تبدل الذوق العام لم يحدث على الإطلاق بمحض إرادة المستمعين، وأن ذلك التبدل خضع لدراساتٍ متقدمة قبل أن يصبح واقعًا مؤلمًا علينا أن نقبل به.

حيث ساهم شريط الكاسيت مساهمةً فعالة في خلق ما يسمى بالفن التجاري، حين بدأت شركات الإنتاج في النظر إلى الموسيقى على أنها سلعة تسويقية، يجب عليهم إقناع جمهور المستهلكين بها، دون النظر إلى مضامينها، باستخدام نظريات الاتصال التي تؤكد أن تكرار التعرض لشيءٍ ما، من شأنه أن يتسبب مباشرةً في تغيير أنماط السلوك لدى المتلقي، قبل أن تقوم نظرية “وضع الأجندة” بالتأكيد على أن الاهتمامات التي لدى المتلقي، ما هي إلا الاهتمامات ذاتها التي تعرضها وسائل الاتصال والإعلام بشكل مكثف.

وتلتقي وجهة النظر الأولى بالثانية عند النقطة التي تتعلق بالديمقراطية التي يؤمن بها شريط الكاسيت، حيث يجد أصحاب النظرية الأولى نقصًا في مقولة برنارد شو التي ذكرناها مسبقًا، قطعًا تجبرك الديمقراطية -أحيانًا- على الاستماع إلى الحمقى، لكن غيابها من المحتمل أن يجعلك تخضع إلى آراء الحمقى دون مقاومة.

كما تلتقي وجهة النظر الأولى بالثانية، عند النقطة التي تتعلق بالتنوع والإثراء الذي تضفيه علينا التقنيات الحديثة، حيث يملك أصحاب النظرية الأولى كامل الحق في تبرير ضرورة خلق هذا التنوع، والذي من شأنه تباعًا أن يخلق رأيًا عامًا أكثر مرونة، وتقبلًا للأذواق المختلفة، لكن ذلك لا ينفي أن مصدر تلك الأذواق المختلفة ربما يعود إلى شركات الإنتاج التي تتفاعل مع الموسيقى باعتبارها مجرد سلعة.

يمكننا الآن الجزم بأن شريط الكاسيت باعتباره فردًا من أفراد مجموعة “التقنيات الحديثة”، يقع ضمن دائرة الاتهام في إشكالية تبدل الذوق العام، له يدٌ في ذلك، بصرف النظر عن إيجابياته وسلبياته التي ناقشناها في الفقرات السابقة من مقالنا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد عمارة

صحفي، يهتم بالبحث في تبدل الذوق العام الفني، معتمدًا على إيمانه بأن ذلك لم يحدث اعتباطًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق