ثقافة وفنون

أثر السينما والدراما على تكوين الشخصية

تكوين الشخصية من خلال التماهيات

إنّ الإنسان بطبيعته يتعلّم وتتبلور شخصيّته من خلال التقليد والتماهي بالأشخاص المُحيطين به، والمُحاكاة لكل ما يدور حوله من مواقف وأحداث، فالطفل يكتسب الأفكار والمُعتقدات وأساليب السلوك والأفعال من خلال الكِبار، وهذا التماهي لا يتوقّف مع التقدّم بالسن، حيث أن الفرد يستمر بالاكتساب والتماهي والمحاكاة طوال حياته، ويُبيِّن الميل الإنساني نحو الإنشداد بالأبطال في القصص والأعمال الدرامية، وكذلك نحو القادة في الحياة الواقعية، تلك الحاجة النفسية لدى الناس لوجود نموذج يُحاكي مثالياتهم للاقتداء به، سواء فكرياً أو سلوكياً أو نفسياً.

انعكاس الثقافة الدرامية والسينمائية على الذات الاجتماعية

من خلال الحاجة النفسية لدى الإنسان للمحاكاة، ينبع الأثر العظيم للأعمال الدرامية والسينمائية، ليس فقط على العقول والأفكار، إنما أيضاً على الشخصية والمشاعر والانفعالات، حيث يوجد صلة وثيقة بين الأدب وعلم النفس، فالأدب يعبّر عن الذات الوجدانية والديناميكيات النفسية للإنسان، ومن هنا كان التحليل النفسي قادراً على فهم التجلّيات النفسية للكاتب من خلال رواياته وأبطالها، كما يُمكن ملاحظة السمات الخاصة بالشعوب والحضارات المختلفة عبر الاطلاع على الطبيعة الأدبية والدرامية والسينمائية، بحيث أنّ تلك الأعمال تنبع من التركيبة الفكرية والثقافية لمجتمع معين، وتعود لتصبغ وتصقل بتجلّياتها تلك الشخصية الاجتماعية المُتفرّدة.

الهوس بتقليد أبطال السينما

إنّ الميل إلى تقليد أبطال السينما هو ظاهرة طبيعية لدى فئة الأولاد والمُراهقين؛ لأن شخصية الفرد تتبلور عبر التماهي والاقتداء بالنماذج، ولكن يظهر في كثير من الأحيان نوع من الهوس يتخطّى حدود اكتساب بعض السِمات المُحدّدة إلى التقليد الأعمى في كافة النواحي الفكرية والسلوكية، وحتى محاولة تقليد الشكل الخارجي، بحيث يصبح المُقلّد خاليًا من أي صفات خاصة به، ويكون نسخة مشوّهة عن تلك الشخصية المشهورة، في هذه الحالات، يُدرك علم النفس وجود اضطراب نفسي لدى هذا الشخص، حيث لا بدّ من وجود أسباب نفسية جعلت الفرد غير قادر على تكوين كيانٍ خاصٍ به، وانساق نحو التوحّد بشخصية خارجية، وهذه الحالة لها أسباب وعوامل تربوية واجتماعية ونفسية كثيرة، مثل الهشاشة النفسية، وعدم القدرة على الإنجاز وإثبات الذات، كذلك عدم الثقة بالنفس، والميل نحو التبعيّة، وهي كلّها عوامل تحفّزها الأساليب التربوية الخاطئة، وفي كثير من الأحيان، فإنّ هذه الحالات تستدعي العلاج النفسي.

تغيّر الشخصية تأثراً بالشخصيات المشهورة

يمكن أن يحصل تغيير في شخصية الفرد الناضج والمراهق بشكل خاص، سواء في سلوك معيّن، أو في نظرة معيّنة تجاه الحياة؛ نتيجة التأثرّ بشخصية مشهورة أو عمل سينمائي، فالشخصيات تُحاكي الحاجات النفسية والوجدانية للناس بشكل مختلف عند كل فرد، وتِبعاً لمكامن النقص والقوة لديه، بحيث قد تترك أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا ، ومن هنا كان ظهور العلاجات النفسية لحالات الصدمات والمآزم النفسية من خلال الفن والدراما والكتابة والمسرح، فالعلاج بالسيكودراما بات منتشراً بكثرة نظراً لقدرته على المُحاكاة والتعبير والتفريغ الانفعالي.

الدور الواجب تأديته عبر السينما والدراما تجاه المجتمع

هناك دور مهم جداً للسينما والأعمال الدرامية والأدبية بشكل عام تجاه المجتمع والجمهور والمُتابعين، حيث أنها من المُفترض أن تقدّم النماذج والقيَم التي تساهم بارتقاء الفكر الإنساني والروح الاجتماعية والحسّ الوجداني، فتلك الأعمال لها قدرة عظيمة على النهوض بالمجتمعات نحو الرُقي الإنساني بكافّة أبعاده، والعكس صحيح، حيث يمكنها أن تهبط بالمستوى الفكري والشعوري والسلوكي للناس، تِبعاً لما تقدّمه من نماذج وتوجّهات وقيَم، فمثلاً تقديم الاحتيال والخداع والخيانة بقالب جميل ونتائج إيجابية، يبعث برسالة لا واعية إلى العقول، مفادها أنّ تلك السِمات هي إيجابية ويجب اعتمادها، وكذلك العنف والأنانية وإيذاء الآخرين لتحقيق المآرب الشخصية، بالتالي فتصوير الخير والصدق والمثاليات والمبادئ بقالب ضعيف واستسلامي ولا يؤدّي إلى النتائج المرجوّة؛ يرسّخ في الأذهان أنّ تلك الخصائص المثالية هي واهنة وغير فعّالة، لا وبل تدلّ على الضعف والفشل، وبما أنّ العقل يلتقط الإشارات والرسائل الغير مباشرة واللاوعية بشكل أقوى وأعمق ممّا نحاول ترسيخه عبر الوعي، فإنّ هذه الأعمال السنمائية والتلفزيونية والأدبية لها قدرة غير مسبوقة على بثّ القيم والتوجّهات الإنسانية، ولهذا السبب من المُفترض لهذه المدرسة الغير مباشرة والعابرة للمؤسسات التعليمية أن تكون مسؤولة إلى أقصى الحدود عن كل الأفكار التي تعرضها للناس؛ لأنها سوف تساهم في بلورة معتقداتهم ومشاعرهم سواء نحو الانحطاط أو نحو الارتقاء.

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية
زر الذهاب إلى الأعلى