ثقافة وفنون

«أتمرد إذن أنا موجود».. ألبير كامو ردد النداء البشري ونقّب عن معنى الوجود

تتخذ الفلسفة مع الأديب ألبير كامو طابعًا جديدًا، تصبح فيه الرواية وسيلة للتفكير وإيضاح المفاهيم، فالكتابة الروائية في نظره ليست أقل فلسفية من التحليل النظري: “لا نفكر إلا من خلال الصور، وإذا أردت أن تكون فيلسوفًا فاكتب روايات”، في الرواية نتخلص من سطوة المصطلحات والتراكيب الغامضة الغير مفهومة. فهل ألبير كامو فيلسوفًا؟ لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فعبر إظهار نفسه عبر المسرح والصحافة وكتابة المقالة يبدو أنه أكثر من فيلسوف. لم يكن أسلوبه صارمًا لكن مواقفه مفهومة.

سلك ألبير كامو طريقه وحيدًا؛ ما سبب له مشاكل كثيرة مع عامة المثقفين اليساريين منهم واليمينيين، وتناول موضوعات مثيرة: العبثية الوجودية (في أسطورة سيزيف)، إدانة الارتهانات الثورية (الإنسان المتمرد)، ما ميزه هو طرحه الذي يبدو شديد المعاصرة، فهو يذهب إلى أن العالم لا يسمح بالآمال، وعليه يجب اتخاذ موقف إزاء كل شيء، مع أو ضد. فعالمنا فوضوي وخال من المعنى، فنحن نصرخ بأعالي الصوت ونبوح بآلامنا، لكننا لا نلاقي إجابة! يتردد إلينا الصدى ويبقى العالم صامتًا.

نقرأ في أسطورة سيزيف: “العبث يولد من هذه المواجهة بين النداء البشري والصمت غير العقلاني للعالم”. يلاحق كامو أسباب ذلك الصمت والرغبة الملحة في فهم عذاب الإنسان ووحدته. لكن لا شيء يصبح مفهومًا. بالتالي ما الذي علينا فعله إزاء تلك العبثية الصارخة؟ هل يبدو الانتحار خيارًا منطقيًا؟ يأخذ كامو على عاتقه أولوية حل مسألة الانتحار كقضية فلسفية.

هل تستحق الحياة أن تعاش؟ الإجابة الجوهرية كالتالي: ليس بالإمكان إنهاء العبثية، إذن يجب علينا الانغماس بها. على الإنسان تحمل قدره وذلك باللا اكتراث وعيش سعادة اللحظة الراهنة. كلمة السر هنا هي “التمرد”، فالإنسان يتمرد على كل أشكال العبودية والمهانة، والكوجيتو الكاموي (مبدأ انطلق منه كامو) هو “أنا أتمرد إذن نحن موجودون”.

لا يكتفي ألبير كامو بذلك، بل يشدد على أن الإنسان المتمرد لا ينبغي أن ينقلب على نفسه فيحول الحرية إلى إرهاب، والضحايا لجلادين (ولكم يبدو كامو عظيمًا هنا). فالتمرد عند كامو يجب أن يقوم ضد الثورات أيضًا، لصالح الكرامة الإنسانية، إن هي استحالت طغيانًا وهوسًا يحجب الضياء.

أن يكون المرء فيلسوفًا، عند كامو، عليه أن يركز على الصراعات، ويفكر بعصره ويتحمل الفوضى ويرسم ملامح طريقه فيها. هكذا غدا كامو وحيدًا في طريقه بطريقة بطولية يناضل ضد التفكك الإنساني.

تبعث أفكار كامو السابقة لزمانها، والتي تم ازدراؤه لأجلها، تساؤلات تقع في قلب واقعنا: هل على المثقف تأييد الطغاة تحت مبررات معينة؟ هل ينبغي السكوت عن تحول الرجاء والمطالب إلى آلات قتل؟ الغايات النبيلة لا تبرر الوسيلة القذرة، أبدًا.

إن تحولات التاريخ تكسب محاولات ألبير كامو الفلسفية معنى مفاجئًا، فإن مفاهيم جوهرها كالعبث والتمرد، تقع في صلب حاضرنا ومستقبلنا من الآن وصاعدًا، فالعبث لا يقع خارج الزمن. الناس يستمرون في التساؤل عن معنى الوجود ويلاقون الصمت على الدوام. إلا أن نظرتنا اليوم تغيرت، فنحن لا نستبعد نهايتنا، والكارثة الوشيكة تحيط بنا أينما اتجهنا!

ينبثق التمرد لحظة إعلاننا: لم يعد هذا ممكنًا. وحين نقول “لا”. هنا نضع حدًا ولا نتسامح مع الانصياعات والمذلات والمظالم نحن ننشد عالمًا آخر أكثر إنسانية، يوجد لحظة تمردنا، لأنه يحمل أفقًا. حين يصبح التمرد مفرطًا ينتهي بانقلاب: نرغب في الحرية، فنبتكر الرعب. الدافع الممنوح من التمرد يفضي لثورة مستمرة، وهذه العملية أسوأ دروب اللا إنسانية، تلك التي يتحول وكلاؤها اللا شرعيين إلى مجرمين. لذا ينبغي أن نتمرد ضد الثورات ونفرض عليها احترامًا للمعنى الإنساني وكرامته.

تنويه: تم الاعتماد بشكل كبير في كتابة المقال على كتاب “أساطين الفكر”، للفيلسوف روجيه بول درواً.

اقرأ أيضاً: دعوا العالم داخلكم يهتز!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق