مدونات

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله..
تلك واحدة من أصدق المقولات لغسان كنفاني، ولكن ماذا لو اعتبرنا أن غسان لم يجب عن سؤاله لصفية، وتركه هكذا بلا إجابة، تركه لصفية وخيالها، تركه لصفية حينها وصفية الآن وصفية المستقبل، في تلك الحالة ماذا ستكون إجابة صفية؟

ما هو الوطن؟ لو وضعنا صفية وإجابتها جانبًا الآن، لو تم توجيه السؤال لنا، لو صادفنا طفلًا يتسائل ما هو الوطن، بماذا سنجيب؟

هل الوطن ذاك العلم الذي يحيه الأطفال بالنشيد الوطني كل صباح؟ أم تراه تلك الحدود التي كبرنا ووجدناها حولنا وقِيل لنا أنها ديارُنا؟ ونموت نموت ويحيا الوطن، ولماذا نموت لكي يحيا الوطن؟ أليس بالإمكان أن نحيا ويحيا معنا الوطن! حسنًا ماذا لو كبرت داخل حدود غير حدود بلدك وديارك؟ حينئذ هل بالإمكان أيضًا أن تطلق على هذه الحدود وطن؟ فتكون محظوظًا ولك وطنان؟

وإن كان الأمر بالحدود والبلدان، أكان “قول رسول اللّٰه – صلى اللّٰه عليه وسلم – من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” مجرد دعوة لنهتم بالمسلمين داخل الحدود ونترك الذين خارج الحدود لحالهم؟ فنحن لا شأن لنا بهم، هم خارج الحدود فليهتم بهم إذن من هم معهم!

ماذا لو أن ذاك الطفل الذي سألك ما هو الوطن، طفل لاجيء أو مغترب داخل حدودك، وقتها كيف ستجيبه؟ كيف بربك ستخبره أن وطنه هو حدود دياره أو ما تبقى منها! كيف ستقنعه أن خارج الحدود هو وطنه، ومن ثم يذهب ليخبر الأطفال بما قلته وسيؤرقهم كل حين كيف أن وطنهم وديارهم لم تعد تريدهم.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ ربما الوطن هو ذاك الذي لا يجعلنا نتسائل ما هو الوطن، لا يتصدق علينا كل حين بما هو من حقوقنا في المقام الأول، لا يجعلنا نتصبب عرقًا ونشعر بالحيرة والارتباك من سؤال طفل بريء عن ماهيته، ربما الوطن يا صفية أكبر من الحدود، أكبر من كل ما قيل لنا عن الديار والبلدان.

أكبر من مخيلتنا الصغيرة – تلك التي تُلازمنا كلما سألنا ما هو الوطن – رغم مرور الزمن بنا وابتعادنا عن أحلام الطفولة وخيالاتها منذ زمن بعيد، ربما يا صفية نبحث عنه في المكان الخاطيء، فكل ما احتوته الكتب عن الوطن لم نجده عندما كنا في أمس الحاجة إليه، ربما يوجد حيث لا تُقص أجنحتنا الصغيرة لتتشكل رُغمًا عنّا إلى هيئة لم نردها يومًا.

ربما مخيلتنا جعلتنا نظن أن الوطن هو مكان كبير له حدود وتحيط به المحيطات، وتقام فيه المدن والمباني، ولكن في حقيقة الأمر أن الوطن يمكن أن يكون مجرد مكان صغير، مكان لم يكن بمخيلتنا أن يكون هو، مكان حيث نشعر بالأمان ونقول ما نريد ونكتب ونرسم ما تمليه علينا مخيلتنا الصغيرة، حيث نكون كما نريد ونحقق ولو جزءًا مما نريده، حيث تبقى أجنحتنا تحلق وتتشكل تبعًا لإرادتنا نحن، لا رغمًا عنّا.

الوطن يا صفية حيث نكون كما نحب مع من نحب، وأجنحتنا تعانق عنان السماء.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

إسراء طارق

تائه لا يصل...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق