مدونات
أحدث المقالات

أبو لهب المعظم

الحياة.. كلمة يقع صداها على الأذن بخفة تبث بداخلك نوعا من الارتياح فقد اجتمعت حروف هذه الكلمة سويا لتشكل نغمة ناعمة فلا توجد مشقة في إخراج أصوات حروف الكلمة، وياليت طبيعة الحياة تكون بنفس بساطة الإسم وسلاسته، وعند تأمل مجريات الأمور، ومطاحن الحياة لا تجد البساطة تمت لها بصلة  فهي كالنقيض .

وعند تأمل هذا الفارق الكبير بين بساطة الإسم و واقع الإسم، سيهبك نوع من التساؤلات الغير متناهية، ماسبب هذه المهزلة الحانقة، أهي طبيعة الحياة ذاتها أم طبيعة الناس انفسهم التي أصبحت بعيدة كل البعد عن البساطة والوضوح.

أهذا الوضع كان آنفا مقدرا أم هذا جزاء صنيعنا وإفسادنا للكون. ألم تكون الاديان السماوية كافية لكبح فسادنا، ألم يكن العلم كافيا لردع نفوسنا، ألم تكن روحنا وفطرتنا السليمة قوية كفاية لتهذيبنا وقرع اجراس الانذار داخلنا، ألم يكن وجود الله داخلنا كافى بطريقة تجعلنا نستفيق، وهنا يكمن جوهر المسألة.

عند تأمل الناس وأفعالهم والبحث فى هذه القضية لايجاد السبب الرئيسي لهذه الفوضى الأخلاقية العارمة المكتسحة، ستجد عدة أسباب منها افتقاد البشر وجود الله داخلهم، واختفاء حرصهم على الامتثال للتشريعات السماوية التي أسست على مكارم الأخلاق، ستجد فقط التمجيد الظاهري للأديان فهم يقدسون أغلفة هذه الكتب المقدسة حق التقديس ولا يسمحون لذرات التراب أن تتلامس معها ولا ينفكون فى تقبيل هذه الكتب وتنظيفها من الغبار وأشاحوا بصيرتهم عما تحويه هذه الاغلفة بين طياتها وكأنه لا يمت لنا بصلة، وكأنه ليس طوق نجاتنا من هلوكست الحياة.

وعند النظر لطبيعة هذه التسوية الضالة ستجد الفرد يمتثل لكل مظاهر التدين الظاهري التي تستحوذ على أنظار وإعجاب ناظريه وعندما تتعارض شعائر الدين مع مكسب مادي دنيوي عقيم محدود، حينها يتحالف الشيطان مع النفس الأمارة بالسوء فى تبرير وتحليل اقتراف مثل هذه الجرائم وهى تكون فى حق انفسنا أولا لأننا نشيع الفساد الذى سيعود عليا حتما فى يوما ما وسيسبب فساد الكون الذي نعيش فيه، وأكاد أن أجزم أن فطرة الله التى بداخلنا لا تقبل بتلك  الامور الشنيعة ولكنه الجفاء والبعد الروحاني يضعفها كثيرا فلا تقوى على المقاومة أمام تلك الشهوات والنزوات والشرور، فهم كالوحش الشره الكاسر فتقع تحت سطوة الذنب، فتعتاده شيئا فشيئا، ثم يصبح القلب فظا غليظا يمارس الشر دون ندم أو تراجع ولا يكتفي بذلك فقط فهناك فى بعض من الأحيان يكون نوع من أنواع المجاهرة بالشر والتفاخر به، والمؤلم هنا أنك ستجد من ينبهر بهذه الترهات ويحذو حذوه، وكل هذه الممارسات المغلوطة تتم مع اعلاء آفة لعينة ألا وهي أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه لا أحد يراك  فلا يوجد من يردعك عن فعلك الشنيع ونسيان أن الله مطلع على كافة الأمورما ظهر منها وما بطن و تجاهل أنه هناك يوم للحساب، فنحن نخشى البشر واللوئح القانونية حق الخشية ونستحى من أقوال الناس ونتبع العادات والتقاليد اللآثمة دون الأديان السماوية الشريفة.

أهي تجارة رابحة؟ هل كان ما فرطنا فيه يستحق مثل هذه التضحية العظيمة؟ والعجيب فى الأمر وجود هذا الاطمئنان الكاذب بأنك على صواب بل وترسيخ هذه المعتقدات المغلوطة مع الاجيال الصغيرة منذ نعومة أظافرها، فيعم التيه والتشتت وتتبدد شارات الحق، ويسود التخبط والضلال وتتجسد حالة الحفاظ على النفس من شرورها كالقابض على جمرة، وهنا يأتي دور الإنسان وإرادته وقدرته على الاختيار بين الطريقين، فإذا أذعن لفطرته السليمة وطلب العون من الله وبحث عن شارات الحق، أنار الله بصيرته وساعده على نكبات الدهر والفتن المتفشية من حوله، واستبصر حقيقة الأمور من حوله ونجى بنفسه من هلوكست الحياة والحزن كل الحزن ممن فرطوا بفطرتهم فقد ماتت الطهارة ماتت النبتة وبقي أبو لهب ولا تجوز الرحمة على أبي لهب!

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ايمان عبد الناصر قاسم

ايمان عبد الناصر قاسم مترجمة وكاتبة مصرية

‫8 تعليقات

  1. مبروك أستاذة إيمان، مقال قمة في التميز، لأنه بلغة سلسة وناعمة ولكنه بيطرح معضلة مجتمعية أصبحت آفة ملتصقة بطباع الناس.
    في انتظار جديد مقالاتك

  2. قالوا إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. لماذا ؟؟؟ لان عدل الكافر ايمان وظلم المؤمن كفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق