سياسة وتاريخ

آيا صوفيا.. حلم راود الرجال

زرت إسطنبول منذ خمس سنوات، في إطار البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية عبر العالم، يجمع البرنامج دارسين من دولٍ مختلفة. واختارت إدارة البرنامج مدينة أسطنبول ليكون نقطة التقاء الطلاب الوافدين من شتى أنحاء العالم؛ لما تمثله المدينة من رمزٍ للتعايش التاريخي بين الأديان الثلاثة أثناء عهد الخلافة الإسلامية، ولأنها تحتضن متحف “آيا صوفيا” الشهير الذي تحول مؤخرًا إلى مسجد، ومرورًا بمدينتي برلين وقرطبة وجولة خاصة في المملكة المغربية.

أشهر 4 مدن آسرة ضمن البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية

إسطنبول

مدينة إسطنبول، البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية
مدينة إسطنبول التركية

كانت زيارتي الخاصة خلال البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية عبر العالم، لمدينة إسطنبول التركية، والتي امتدت أسبوعًا. زيارة مفعمة بالمتعة والجمال، زرنا خلالها أهم معالم المدينة، من بينها متحف (الذي حُوّل لاحقًا لمسجد) آيا صوفيا، وحرص محاضرو البرنامج على سرد وقائع الفتح الإسلامي للقسطنطينية عام 1453، حيث كان ذلك الفتح يعد حلمًا كبيرًا للمسلمين بعد التوسع لنشر الدين الإسلامي في الإمبراطورية الفارسية، تلاها فتح الإمبراطورية الرومانية وعاصمتها القسطنطينية.

يذكر، أن مدينة إسطنبول استقبلت اليهود، بعدما ذاقوا من الويلات في الممالك المسيحية في الأندلس؛ من الإجبار على التنصر وترك الديانة اليهودية وذاقوهم صنوف العذاب قبل أن يُطردوا من أرضهم، فما كان لهم من وجهة ليحتمي فيها يهود الأندلس بعد سقوطها سوى المغرب وعاصمة الخلافة الإسلامية -حينها- (إسطنبول).

ويعد فتح القسطنطينية حلمًا طالما راود الخلافة الأموية، حيث حاول الأمويون فتحها وخابت تلك المساعي بعدما سقط بعض الصحابة شهداء على أسوارها، من بينهم الصحابي أبو أيوب الأنصاري، فبنى المسلمون قبر هناك تحول إلى مسجد سُمي “أيوب سلطان”.

وكانت القسطنطينية تمثل شوكة في ظهر المسلمين؛ حيث كانت تلك المدينة معبرًا لجيوش أوروبا لغزو الشرق، إبان فترة الحروب الصليبية، حيث عبروا من خلالها إلى القدس ودمروها وقتلوا أربعين ألف وفي رواية سبعين ألف مسلم في أول أيام دخولهم حتى صارت طرقها أنهارًا من الدماء.

وظلت الدولة الرومانية وعاصمتها القسطنطينية، تهاجم الدولة الإسلامية من الشمال مستغلةً أوقات ضعفها، لذا ظلت مناطق شمال سوريا، حيث حدود المسلمين مع الإمبراطورية الرومانية، لحقبة طويلة مقصد المجاهدين؛ فكل مسلم عليه فريضة الجهاد والدفاع عن أراضي الأمة ليرابط في سبيل الله في ثغر من ثغور المسلمين.

وكتب أبو تمام قصيدة عصماء يوم “وقعة عمورية”، بعنوان: “السيف أصدق أنباء من الكتب”، وذلك بمناسبة قيام جندي صليبي ربط طرف جلباب بائعة مسلمة في السوق بطرحتها، فلما نهضت واقفةً انكشف ظهرها، فصرخت قائلةً “وامعتصماه”، فجيّش المعتصم الجيوش وحارب الروم وانتصر لامرأة بائعة في السوق.

“آيا صوفيا”، حلم يراود الرجال

وظلت القسطنطينية وفي القلب منها رمزها الأكبر كنيسة “آيا صوفيا”، حلم يراود الرجال وكانت الأمهات تربي فيهم فضيلة الجهاد منذ الصغر وتقول لهم “إنك ستفتح القسطنطينية”، مثلما كانت أم محمد الفاتح تقول لابنها وهو لم يزل بعد طفلًا صغيرًا، وحقق لها هذا الحلم و هو شاب، حلم انتظره المسلمون ما يقارب ألف عام.

ولما فتح محمد الفاتح القسطنطينية، ودخل المسلمون البلد التي لم تُفتح صلحًا و إنما عنوة، صارت الأرض أرضه والناس ملك يمينه. وتُحدثنا كتب التاريخ والمؤرخون من مشارقة ومغاربة عن سيرة العدل والرحمة التي سار الرجل بها في الناس.

ويعتبر العدل والرحمة للفاتحين نقطة لفتت نظر كثير من المؤرخين الغربيين، لأنهم اندهشوا متسائلين كيف أن المسلمين لم يفعلوا في الروم مثلما فعلوا هم في المسلمين في القدس وغيرها أثناء الحروب الصليبية، ومثلما كان يفعل الأسبان في المسلمين في الأندلس ويسومونهم سوء العذاب؟ ويفسر المؤرخون إقبال الروم على الإسلام إلى “عدل الفاتح” المنتصر مما دفع الناس للدخول في دين الله أفواجًا.

كانت القسطنطينية حلم يخاله الكثيرون مستحيلًا، فحققه الشاب الصغير وأصبحت القسطنطينية من أكبر عدو للإسلام إلى “مدينة الاسلام” أو “إسلامبول” التي تطورت لاحقًا حتى أطلق عليها “إسطنبول”، وتحول معها أكبر رمز للدولة الرومانية وهو كنيسة “آيا صوفيا” إلى المسجد الجامع للدولة الجديدة التي أسسها محمد الفاتح، و بقيت هذه الرمزية طيلة الوقت حتى القرن العشرين.

منذ أن بعث الله محمدًا هاديًا ومبشراً و نذيرًا، وبعد أن بدأ الرسول الكريم في الدعوة سرًا ثم جهرًا، ثم مكّن الله لدينه في الأرض وآخى الرسول بين المهاجرين والأنصار وأسس الدولة في المدينة المنورة، منذ هذا التاريخ البعيد وحتى زمن قريب جدًا، كان الإسلام يحكم، وأنا أعني هنا الحكم بمعناه العام الكبير بغض النظر إن كان الحاكم قويًا أو ضعيفاً، شريفاً أو خائباً، عادلاً أو جائراً.

فكانت مرجعية وشرعية الحاكم في حكمه وكونه “ولي” و”راعٍ” ومسؤل عن المسلمين هي الإسلام، و كان القانون المنظم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم هو الشريعة الإسلامية، وكان القاضي والفقيه هو ضابط معيار المصلحة؛ مصلحة الناس ومصلحة الشرع. ولذا وجدنا كثيرًا من الأمور التي نزل فيها الحاكم عن رأيه ورضخ لرأي القاضي لأنه هو الأعلم لمصلحة الناس.

ومنذ التأسيس على يد الرسول حتى سنة 1924 والإسلام يحكم، وأنه في عز جبروت وسطوة الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، فإنها كانت تعمل ألف حساب لنداء رجل مريض كبير يقال له “خليفة المسلمين” يستطيع بمنشور من ورقة واحدة أن يُجيّش نصف الكرة الأرضية كلها على قلب رجلٍ واحد.

ولذا كان التعامل دائمًا مع الخلافة بمنتهى الحذر والحيطة واختلاق الحجج وإرسال الرسل، حتى تبين في آخر الأمر أن الحروب العسكرية ضد دول الإسلام سيصعب المسألة، وأن الطريق الأسهل هو استقطاب عملاء من الداخل على أن يقوموا هم بالدور المطلوب، وهؤلاء العملاء يجب أن يكونوا موزعين في كل مكان؛ في الصحافة، في الجيوش، في السياسة، في الاقتصاد، والأهم في التعليم. والفكرة وراء ذلك هو أنك إن أردت إسقاطًا للإسلام دائم و مستمر، فإنه عليك الابتعاد عن السلاح المباشر، و عليك زرعه من الداخل.

وفي عام 1924، أصبح مسلمو العالم كله ولأول مرة في تاريخهم وكأنهم يتامى؛ بعد أن أعلن مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، عن إسقاط وإنهاء الخلافة الإسلامية، إذ لم تعد للمسلمين مظلة تجمعهم تحتها من هندي وعربي وتركي وكردي. وبدأت أعنف عمليات إبادة في التاريخ بناءً على الهوية الدينية وكانت البداية بأطراف الدولة، في شرق إفريقيا وجنوب غرب آسيا ومنطقة الصحراء الإفريقية ووسط آسيا والهند وغيرها الكثير.

وها نحن اليوم، نرى دولة واحدة كانت تمتد من وسط آسيا حتى غرب إفريقيا بما يمثله هذا من قوة عظيمة أصبحت اليوم تمثل نصف دول الأمم المتحدة، فيما أن الحروب والصراعات بينها لا تعد ولا تحصى، ولم ينجح في هذا أحد مثلما نجح فيه عملاء الداخل، المسلمون دينًا و الحاقدون قلبًا، بدءًا من أتاتورك واستمر تلاميذ مدرسته حتى اليوم والتاريخ يقول ويشي.

اقرأ أيضًا: تركيا تمعن في القطيعة مع الماضي.. فهل يتبخر حلم الخلافة؟

برلين

مدينة برلين العاصمة الألمانية

في أثناء البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية قامت الجامعة بتنظيم زيارة إلى مدينة برلين الألمانية، واستمرت الزيارة لمدة أسبوع، و في إطار الدراسة زرنا أماكن في برلين، منها:

“بيت الرب”

وهو مشروع ثقافي يهدف للتقارب بين الأديان السماوية، عبارة عن مبنى وبه مسجد وكنيسة ومعبد يهودي، وكان ذلك توجهًا لألمانيا المعاصرة الديمقراطية.

المعبد اليهودي الكبير

والذي أُعيد بناؤه بعدما دمره النازي الألماني. و المعبد ذو قبة أندلسية بديعة، وطراز معماري فريد، قال عنه المرشد اليهودي الألماني أثناء زيارة المعبد: “إننا نتذكر بهذا أفضل أيام في تاريخ اليهود عندما عشنا في الأندلس”.

في أثناء الزيارة، عبر طالب دكتوراة ألماني عن ضيقه من القوانين الاتحادية الألمانية المتعلقة بالأديان الأخرى غير المسيحية، وكيف أن الدولة لا تعترف بها، فلما أبديت دهشتي وقلت له كيف تقول هذا وألمانيا بها كم كبير من المساجد، فاجأني بأن تراخيص كل هذا المساجد إنما هي تراخيص “نادي” و ليس دور عبادة.

في ألمانيا لا يوجد أي جامع أو مسجد بصفة رسمية وإنما كلها مرخصة كأندية مسجلة، ويمكن للدولة سحب ترخيص “النادي” في أي وقت، والدولة غير ملزمة بالإنفاق على دور عبادة لمواطنيها من غير المسيحيين، وأن ألمانيا بها ما يقرب من الأربعة ملايين مسلم وزادوا إلى خمسة ملايين بعد الهجرات الأخيرة لها، منهم حوالي ثلاثة ملايين يحملون الجنسية الألمانية ولكن الدولة لا تنفق على دور عبادتهم لأنها لا تعترف أصلًا بدياناتهم. بحسب كلام إحدى طلاب البرنامج الثقافي.

متحف الفن الإسلامي

كانت هناك قاعة خاصة لعرض متحفي “غير دائم” عن الفسطاط، يشتمل المتحف على شواهد قبور وكتابات من معابد باللغة العبرية، بالإضافة إلى كتابات مدونة من كنائس باللغة القبطية، ومن مساجد باللغة العربية.

قرطبة

البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية
مدينة قرطبة الإسبانية

تحتاج قرطبة كتابًا ليحكي الجمال والسحر الذي تمتلكه، يكفي أنك ترى وجوهًا تكاد تجزم أنك تعرفها ولكنها تتحدث الإسبانية، لا يتملكك سوى الدهشة؛ فهؤلاء أنت، لهم عينك وأنفك وصوتك ونظرتك وجلستك ووقفتك ذاتها وكل شيء.

عند زيارتنا ضمن البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية للمسجد الكبير في مدينة قرطبة، مسجد الخلافة، الذي يطلق عليه الإسبان المسيحيون كنيسة “ميسكيتا”. وتظل رائعة الكاتبة رضوى عاشور، رواية “ثلاثية غرناطة”، التي هي من أجمل ما قرأت تعبر عن روعة الأندلس ومشهد سقوطها المخزي.

ينتابك أثناء التجوال في قرطبة رائحة قلي السمك، ورائحة المخبوزات والحلوى، ورائحة “البائّيا” الأكلة الأشهر هناك، وهي تحريف لكلمة “البقية”، حيث كانت ربة البيت تجمع بواقي طعام الأسبوع وتعيد تصنيعه وتطعم أولادها منه كي لا ترميه.

وتصادفك نظرة العجائز من النساء، وجلسة الرجال المتسكعة في المقاهي، وحديث الناس وإيماءات أجسادهم وإشاراتهم. كل هذا جعلني أضع سماعات الموسيقى على أذني وأنظر إليهم، وحينها كان يمكنني أن أقسم بكل صدق أني في بيروت أو القاهرة أو طنجة.

وكانت من بين طالبات البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية عبر العالم، فتاة مصرية أنهت دراستها لماجستير الإعلام في الجامعة الأمريكية، وكانت في لحظة من اللحظات أثناء تجوالنا في الجامع الكبير قد تخلفت عن المجموعة لالتقاط بعض الصور، بصحبة شاب ألباني حاول أن يصدح بالآذان في المسجد كي يجرب ظاهرة صدى الصوت، وهنا قامت القيامة ولم تقعد.

فجأة انقضّ رجال شرطة أقوياء يحملون أجهزة وأسلحة معقدة على الشاب ومعه الفتاة، وحاصروهم ورفعوا عليهم السلاح، وطلبوا جوازات السفر، وهموا باقتيادهم إلى المخبر لولا أن رأهم أحد الطلاب فسارع إلى إبلاغ المشرفين، وكانوا من طليعة المستشرقين الأسبان والأشهر على مستوى العالم في مجال الإرشاد السياحي، ولهم اتصالات كبيرة سهلت إنهاء الموضوع.

وبدورها انهارت الفتاة المصرية وهي تحكي لحظات الرعب التي عاشتها في هذه الدقائق، فقط لأن سائحًا رفع اآذان في الجامع الكبير في عاصمة الخلافة سابقًا!.

فاس ومكناس وشفشاون

مدينة فاس المغربية
مدينة فاس المغربية

واختُتِم البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية بزيارة إلى المغرب، وزرت المدن الثلاث (فاس ومكناس وشفشاون).

وتجد في كل مكان في المغرب، نجمة داوود والمعابد اليهودية التي تحافظ عليها المملكة المغربية إلى يومنا هذا.

وقديمًا سكن في هذه المدن آلاف من يهود الأندلس الذين هاجروا إلى المغرب خوفًا من التنصير ونجاةً بحياتهم، وعاشوا واستقروا وتاجروا وربحوا تحت رعاية الملك.

وأصبحت مراكزهم التجارية ممتدة في كل العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ولا تزال حتى اليوم معابدهم قائمة لم تحولها حكومة إلى شيء آخر ولا حتى إلى متحف.

البرنامج الثقافي لزيارة المعالم السياحية
مدينة مكناس المغربية
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مازن أبو ليلى

أنا مع الحقيقة مهما كان من يقولها، وأنا مع العدل مهما كان من معه أو من ضده. مالكوم إكس

تعليق واحد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق